حقوق

الدولة اللبنانية تجمّل سجلها الحقوقي .. تقرير أممي منفصم عن الواقع

إعلانات

يحل مطلع العام 2021 موعد الاستعراض الدوري الشامل لسجل لبنان في حقوق الإنسان والذي تجريه الأمم المتحدة لجميع البلدان كل أربع سنوات، وهذه المرة الثالثة التي سيعرض فيها لبنان “التقدم المحرز” على صعيد مختلف قضايا حقوق الإنسان، ومدى انفاذ التوصيات التي تلقاها في الدورات السابقة.
وكان مجلس حقوق الانسان التابع للأمم المتحدة قد اصدر توصيات عام 2015، تتعلق بسجل لبنان الحقوقي، قبلت منها الدولة اللبنانية 134 توصية، واخذت علماً بـ 85 توصية. وحول ما نفذته من هذه التوصيات، أعدت الدولة اللبنانية تقريرها الوطني الثالث بين بداية العام 2019 ونهاية شهر ايلول 2020 .
يغطي تقرير الدولة البنانية الى الاستعراض الدوري الشامل، بحسب ما ورد فيه “بعض التطورات السياسية والتشريعية والتنفيذية والهيكلية مثل الانتخابات الرئاسية والنيابية والبلدية، واقرار الموازنات وإجراء تعيينات قضائية وإدارية وأمنية كمرحلة أولى. فيما اطلق التقرير على المرحلة الثانية توصيف “مرحلة” الأزمات السياسية والمالية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية.

اغفال للإنتهاكات
ويأتي الاستعراض الشامل لحقوق الانسان، ليظهر ما اذا كان لبنان قد التزم بالشرعية التي اعترف بها للمعاهدات الدولية، والتي تتمتع بمرتبة وقوة قانونية اعلى من الدستور المحلي للدولة. وفيما يكتفي التقرير بسرد وصفي وتجميلي لمختلف القضايا، ومع مرور فترة زمنية طويلة بعد اعداد التقرير ونشره ومناقشته، يتكون انطباع عن التقرير منفصم بشكل تام عن الواقع في ظل تدهور خطير في منطومة الحقوق الإقتصادية والإجتماعية في لبنان، والتراجع في منظومة الحقوق المدنية والسياسية.
يشهد لبنان مظاهرات مناهضة للسلطة منذ 17 تشرين الأوّل 2019، عندما أعلنت الحكومة عن رزمة من الضرائب الجديدة. تطورت الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد إلى تعبيرات عن الغضب ضد النظام السياسية بأكمله، الذي يلومه المتظاهرون أنه سبب الأزمة الاقتصادية الرهيبة في البلاد. وقد استخدمت القوى الأمنية أحيانًا القوة المفرطة ضد المتظاهرين وفشلت في حمايتهم من المتظاهرين المعادين العنيفين. وتهدد موجة من الملاحقات القضائية بحق النشطاء والصحفيين الذين ينتقدون سياسات الحكومة والفساد حرية التعبير والرأي في لبنان. ومن الملاحظ ان التقرير الحكومي يغفل عن معالجة مثل هذا النوع من الانتهاكات.

تجريم التعذيب
ويشير التقرير الى ان البرلمان قد اصدر مجموعة من القوانين التي تحفظ وتكفل الحقوق الانسانية. من القانون رقم 42 “حول التصريح عن الاموال عبر الحدود”، والقانون رقم 44 حول ” مكافحة تبييض الاموال وتمويل الارهاب بتاريخ 24\11\ 2015، وقانون رقم 65 بتاريخ 19\9\2017 ” لمعاقبة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة او العقوبة القاسية او اللإنسانية او المهنية” والذي يحمل تعريفاً وتجريماً للتعذيب في إطار خاص ومستقل عن احكام قانون العقوبات.
وعلى الرغم من مرور ثلاث سنوات على إقرار قانون تجريم التعذيب رقم 65/2017، فشلت السلطات القضائية اللبنانية في التحقيق في مزاعم التعذيب الخطيرة في عدة قضايا ابرزها قضية الموقوف حسان الضيقة الذي توفي في الحجز في عام 2019. ويُبرز فشل المدعي العام في التحقيق في ادعاءات الضيقة أوجه القصور الخطيرة في كيفية تعامل القضاء اللبناني مع شكاوى التعذيب. تهدف الإجراءات الواردة في قانون تجريم التعذيب إلى حماية الأدلة وضمان المساءلة عن جريمة التعذيب. ومع ذلك، شهدنا على 19 حالة، في السنوات الثلاث الماضية، فشلت فيها السلطات في تطبيق القانون.
يتضمن التقرير تقسيماً للمجالات التي تعتبر الدولة انها حققت انجازاً فيها، وقد اغفلت في اكثر من مكان، الحديث والشرح الدقيق عن الالية او النتائج الايجابية التي تحققت عبرها.
ومن المعلوم، مدى الفساد الذي يتحكم بعمل مؤسسات الدولة، الى حد إنفجار المرفأ الذي ادى الى خسارة مئات المواطنين “الحق في الحياة”، وهو الحق الاساسي الذي تضمنته شرعة حقوق الانسان، وقد اعتبر الدستور اللبناني في مقدمته، حق الانسان بالحياة أسمى حقوقه الدستورية.

عقوبة العمل الإجتماعي
وفي هذا السياق ايضاً نجد التقرير الوطني قد غفل عن ذكر الالية فيما يتعلق باعتماد عقوبة العمل الإجتماعي والتي اقرت كبديل عن عقوبة السجن. حيث ورد في البند السادس عشر من التقرير، “أقرَ مجلس النواب القانون رقم 138 بتاريخ 9\7\2019 لإستبدال بعض العقوبات بعقوبة العمل الإجتماعي سعياً لمعالجة ظاهرة اكتظاظ السجون “.
وتعاني السجون في لبنان من اكتظاظ رهيب، حيث اعتمدت بعض السجون نظام عرفي بحيث يترك الموقوف خلافاً للأصول المكانية في سجن آخر على سبيل ما يسمى بـ”الأمانة”. عدا عن عدم مراعاة الفصل بين السجناء المشكوك بإصابتهم بفيروس كورونا، ووضع أعداد أكثر مما يحتمل المكان وقواعد الصحة والوقاية.
وقد ذكر التقرير وجود تخصيص استراتيجية “لمكافحة الإرهاب ومنع التطرّف العنيف”، مع عدم ذكر آلية تنفيذها أو عملها أو المجالات على أرض الواقع التي تم فيها كبح ومكافحة الإرهاب والتطرف. كما غفل التقرير عن ذكر المحاصصة الطائفية التي تهمّش المعيار الأهم في تولّي الوظائف العامة كالكفاءة في التعيينات الادارية والقضائية والدبلوماسية والأمنية.

أما فيما يتعلّق بحقوق المرأة والطفل، قدّمت الدولة في تقريرها بياناً تضمّن إقرار قانون “حماية النساء وسائر أفراد الأسرة من العنف الأسري”، وهو فعلا إنجاز اشترك بتحقيقه المجتمع المدني والمجلس النيابي، حيث بات بالإمكان معاقبة الفاعل جزائياً على الضررين المعنوي والاقتصادي، والسماح للقاصر(ة) بالتقدّم بطلب الحصول على أمر الحماية بالذات بدون وليّ الأمر، بالاضافة إلى إعطاء قاضي العجلة الحق بالاستعانة مباشرة بالقوى الأمنية لتنفيذ أمر الحماية.

الهيئة الوطنية لحقوق الانسان
وفي الإطار نفسه، قدّمت الهيئة الوطنية لحقوق الانسان المتضمنة لجنة الوقاية من التعذيب تقريرها الى الاستعراض الدوري الشامل واختارت ست مجالات ذات أولوية خاصة. وفي المقدمة، يأتي تمكين المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان والآلية الوقائية الوطنية في لبنان. حيث ذكرت الهيئة عدم انشاء تصنيف وظيفي في الموازنة يتعلّق بتعزيز حقوق الانسان وحمايتها والوقاية من التعذيب، بالاضافة الى عدم تخصيص موارد مالية لتأمين العمل الفعال والمستقل للهئية.
وذكرت الهيئة بان الأزمة الاقتصادية والسياسات المالية غير المسؤولة تهدد إمكانية الناس للحصول على الرعاية الصحية والغذاء، وقد دفعت العديد من الأسر إلى الفقر. ويعد تجميد قروض الإسكان المدعومة ضربة إضافية للحقوق الاجتماعية والاقتصادية حيث تفشل سياسة الحكومة في سد الفجوة. تضررت الفئات الضعيفة بشدة من الأزمة الاقتصادية، بما في ذلك النساء والأطفال واللاجئون والعمال المهاجرون. في المقابل أعلن صندوق النقد الدولي إنه سيحلل الحوكمة المالية للدول للحصول على فكرة عن مدى تفشي الفساد، وعن المفاعيل الاقتصادية ذات الصلة. في حين أن طبيعة مساعدة صندوق النقد الدولي للبنان ليست واضحة بعد، يجب عليه ضمان ألا يكون لتوصياته تأثير سلبي في الوصول إلى الحقوق الأساسية. يحتاج الصندوق إلى تجاوز هاجسه بـاستهداف إعانات الحماية الاجتماعية لأفقر الفقراء. إذا تعامل صندوق النقد الدولي مع أزمة لبنان، فعليه أن يأخذ الحماية الاجتماعية على محمل الجد، بدلاً من الالتزام الرمزي بشبكات الأمان الدنيا.

حنان جواد

اظهر المزيد

حنان جواد

محامية وكاتبة لبنانية. تهتم بقضايا حقوق الإنسان والعدالة واستقلال القضاء.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى