سياسة

تقرير استخباري: النيترات كانت مرسلة إلى المعارضة السورية

خمسة أشهر ونيف مرّت على انفجار مرفأ بيروت ولم يُسَدل الستار عن ملابسات ما حصل في ذلك اليوم الأسود. فالغموض لا يزال يلفّ الظروف المحيطة بثالث أضخم تفجير في العالم.

فعلى الرغم من تكليف القاضي فادي صوان كمحققٍ عدلي في الملف في آب الماضي، إلا أنّه لم يتمكّن حتى الآن من تقديم ملفٍ كاملٍ متكامل متماسك يحدّد المسؤوليات الجرمية والتي تبدأ بالإجابة عن أربعة أسئلة أساسية: من هو مالك السفينة “روسو”؟ ومن أدخلها إلى لبنان؟ ومن أمر بإفراغها والإحتفاظ بها في المرفأ طيلة سنواتٍ سبع؟ ولمصلحة مَن أُدخِلت؟ وإلى أين كانت وجهتها وما هي وظيفتها؟

التفجير الذي يُعادل قنبلة نووية اختصره المحقق العدلي بالمسؤولية السياسية والمعنوية، وذلك بالإدعاء على رئيس حكومة تصريف الأعمال حسان دياب والوزاء السابقين علي حسن خليل وغازي زعيتر ويوسف فنيانوس. فيما أغفل صوان المسؤولين ورؤساء الحكومات السابقين الذين كانوا في رئاسة الحكومة حينما دخلت الباخرة إلى لبنان ورست لسنوات عدة! علمًا أنّ صوان أرسل لائحة تضم 17 شخصية نيابية ووزارية سابقة إلى المجلس النيابي يطلب فيها رفع الحصانة عنهم تمهيدًا لاستجوابهم ومحاكمتهم. فلماذا اكتفى بأربعة أشخاص دون غيرهم؟ يسأل خبراء في القانون.

محاولات لحرف التحقيق لتدويل ملف المرفأ

فيما كشفت معلومات لـ “أحوال” أنّ قاضي التحقيق العدلي كوّن ملفاً وافياً خلال التحقيقات، استناداً إلى تقاير الأجهزة الأمنية، لكنّه سيكشف عنها في قراره الظني المرتقب. لكن مصادر قانونية وسياسية أشارت إلى أنّ “القرار الإتهامي تأخر ولم يكن يحتاج إلى كل هذا الوقت. فالمحقق العدلي لم يُجِب على الأسئلة الأساسية التي تحدّد بداية الجريمة وملاحقة مسارها وصولاً إلى لحظة التفجير؛ وركّز على مسألة الإهمال الإداري الذي لا يقدّم ولا يؤخّر في كشف الحقائق”.

وإذا كان التفجير حادثاً عرضياً وفقاً للتقرير الفرنسي، فلماذا يتم تمييع التحقيق وحرفه عن مساره بمعلومات واتهامات هامشية ومختلقة لفتح المجال للإستثمار السياسي؟ ولماذا الهجمة على قيادة الجيش؟ علمًا أنّ المرفأ ليس منطقة عسكرية لكي تكون مسؤولية قيادة الجيش، والتي لديها ضابط استخبارات واحد فقط في المرفأ ولماذا حجب مسؤولية القضاة؟ ولماذا تجاهل صوان تقرير الجيش؟ وتضع المصادر الهجمة على الجيش بهذا الإطار مع ربطه أيضًا بموقف قيادة الجيش الصلب والحاسم من ترسيم الحدود.

ووضعت المصادر علامات استفهام عدة تقود إلى سؤال: هل تعمل جهات فاعلة التلاعب بالتحقيقات بهدف الذهاب إلى تحقيق دولي وبالتالي تدويل المرفأ ووضع اليد عليه وتكرار مشهد العام 2005؟ حيث تم التشكيك آنذاك بالتحقيق الدولي بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري لتبرير استقدام التحقيق الدولي.

أربع فرضيات تُفسّر حقيقة دخول “سفينة النيترات”

الغرابة في الأمر أنّ التحقيقات لم تنتهِج أبسط الأصول المتبعة في التحقيق الجنائي، الذي يبدأ أولأً بوضع فرضيات عدة والبحث عن أدلة ومعلومات وقرائن تُعزّز أي من تلك الفرضيات- إمّا حادث عرضي، ما يستدعي التحقيق مع كبار الموظفين الإداريين المسؤولين عن إدارة المرفأ والضباط الأمنيين المولجين الحماية الأمنية، ومن ثم تحديد المسؤوليات السياسية والمعنوية. إمّا عمل أمني إسرائيلي أو إرهابي، إمّا تجارة وسمسمرات وصراع سياسي. لكن التحقيقات بحسب مصادر مطلعة، يجب أن تبدأ منذ دخول الباخرة إلى لبنان، ودراسة الظروف الأمنية والعسكرية والسياسية التي طبعت تلك المرحلة الممتدة من العام 2013 والسنوات التي تلتها.

فكشف الجهة التي أدخلت السفينة وأمرت ببقائها في لبنان وإفراغ حمولتها وإيداعها العنبر رقم 12 هو مفتاح التحقيق. فلماذا لم يضع المحقق فرضية أن تكون السفينة معدة لإرسالها إلى سوريا في عزّ معارك القصير السورية حينها؟

ما علاقة باخرة “روسو” بـ”ترايدر” ؟

واستبعد خبراء عسكريون فرضية إطلاق صاروخ إسرائيلي موجّه عبر الأقمار الصناعية أو من بارجة بحرية باتجاه المرفأ أو عبر مسيرة إسرائيلية في الجو. وكشفت مصادر مطلعة لـ”أحوال” وجود تقارير إستخبارية رسمية تؤكد بأنّ النيترات كانت تُنقل إلى سوريا للجماعات المعارضة السورية المسلّحة خلال معارك القصير من مرفأ بيروت إلى مرفأ طرابلس ومنّه إلى عكار فالقصير. وتساءلت هل الهدف من إدخال سفينة النيترات هو استخدامها بعملٍ أمني كبير في سوريا أو ضد حزب الله في لبنان؟

وما يُعزّز هذه المعلومات هو توقيف خفر السواحل اليوناني في شباط 2016، سفينة “ترايدر”، وعثر على متنها على ستة حاويات ضمّت اثنتين منها 6400 بندقية و”كميات كبيرة من المتفجرات ومواداً أخرى مشابهة”، بحسب بيان للشرطة اليونانية.

فكشف حقيقة هذه السفينة قد تقود المحققين إلى حقائق تتعلّق بالسفينة السابقة. فمن يدري أن تكون “ترايدر” ملحقة بـ”روسو” وللهدف والوظيفة نفسها؟ وهل مستبعد أن تكون السفينتان ملحقتين بباخرتي لطفالله 1 ولطفالله2 اللتين ضبطتهما استخبارات الجيش وهما في طريقهما الى سوريا لدعم المجموعات المسلحة في العام 2012؟ وهل “روسو” واحدة من عشرات البواخر التي قد تكون أُدخِلت إلى سوريا لدعم “المعارضة السورية”؟ علماً أن نقطة انطلاق سفينة “ترايدر” كانت تركيا! فيما أكثر من مسؤول خليجي وأميركي اعترفوا بأنهم أنفقوا مليارات الدولارات لدعم التنظيمات الإرهابية! وتكفي الإشارة إلى اعترافات وزيرة الخارجية الأميركية السابقة هيلاري كلينتون ورئيس حكومة قطر السابق حمد بن جاسم الموثقة عدا عشرات التقارير التي تشير إلى ذلك!

فهل كان يجري تهريب “النيترات” إلى سوريا على مراحل بعدما حال تقدم الجيش السوري وحزب الله في مناطق القصير ومحيطها دون نقلها دفعة واحدة؟ أم أنّ الكمية سُرِقت واستخدمت في عمليات إرهابية في الضاحية الجنوبية ومناطق أخرى أو لدواعٍ تجارية؟

فلماذا تجاهل المحقق كل هذه المعطيات والحقائق وغيرها؟ ولماذ لا يستعين بالتحقيقات الأمنية والقضائية مع العديد من الإرهابيين الذين خططوا ونفذوا عمليات إرهابية لازالوا موقوفين في السجون اللبنانية؟

أين تكمن مسؤولية الحريري؟

ولفتت أوساط سياسية لـ”أحوال” إلى أنّ “المسؤولية السياسية الأساسية تقع على عاتق الرئيس سعد الحريري وتيار المستقبل والرئيس تمام سلام، كون الحريري وسلام كانا في سدة المسؤولية الحكومية خلال دخول سفينة النيترات إلى لبنان، ومكوثها في العنبر رقم 12 في المرفأ. فيما المسؤولية الإدارية تقع على عاتق رئيس هيئة إدارة المرفأ حسن قريطم المحسوب على المستقبل. فهل حُرّف التحقيق للتغطية على الفاعلين الأساسيين والذين غطوا على هذه السفينة أو أهملوا وجودها؟ وهل لهذا السبب زار الحريري السراي الحكومي للتضامن مع الرئيس دياب بحجة التضامن مع موقع الرئاسة الثالثة لتفادي وصول الإتهام إليه يوماً ما؟ وتساءلت: أليست إدارة المرفأ مسؤولة عن ممتلكات المرفأ؟ فكيف يمكن لها أن تجهل اختفاء عشرات آلاف الأطنان من العنبر 12؟

فهل المطلوب أن تبقى التحقيقات طي الكتمان، ريثما يتم اختلاق أدلة لتزوير التحقيق وتجهيل الفاعل وحرف الإتهام باتجاه جهات أخرى قد تكون حزب الله على سبيل المثال أو النظام في سوريا وربما الإيرانيين لاحقاً على غرار ما حصل في ملف اغتيال الحريري؟

ماضي: صوان أوقع نفسه في إحراج شديد

ولفت المدعي العام التمييزي السابق القاضي حاتم ماضي لـ”أحوال” إلى أنّ “القاضي صوان أوقع نفسه في إحراج شديد، بسبب إرساله لائحة بـ17 شخصية سياسية يدعو فيها إلى رفع الحصانة عنها، لكنه اختصر قرار الإدعاء على أربعة فقط، ما أثار الشكوك وبالتالي عليه الإدعاء على جميع أعضاء اللائحة لكي يعيد المصداقية والثقة بقراره”. كما دعا ماضي صوان إلى التركيز على كشف مالك السفينة ولماذا تم إدخالها إلى لبنان. واستغرب ماضي الهجمة على الجيش اللبناني كمؤسسة وطنية يجب إبعادها عن التجاذبات السياسية، فلا يمكن التهجم على الجيش وقيادته إذا أخطأ أحد الضباط. فقاضي التحقيق يستطيع طلب الإستماع لأي ضابط له علاقة بتفجير المرفأ. وأوضح أنّ “المحقق العدلي لا يستطيع الإفصاح عن التحقيق قبل انتهاء التحقيق والملف بشكلٍ كامل حيث يضعه بتصرف النيابية العامة التمييزية التي تحيله بدورها إلى المجلس العدلي”. وتوقع ماضي أن ترد محكمة التمييز دعوى الإرتياب المشروع التي قدمها بعض الوزراء وتطلب من صوان الإستمرار بالملف.

وفي حال رفض المستدعون المثول أمام المحقق العدلي، أوضح ماضي: أمام هذه الفرضية لن يبقى أمام صوان إلا إصدار مذكرة توقيف بحقهم قبل 24 ساعة من موعد التحقيق، أو الطلب من قوى الأمن الداخلي إحضارهم.

 

محمد حمية

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: