بيئة

حرائق لبنان: المؤشر مرتفع وخسائر كارثية بظلّ غياب الدولة

بدأت تتكشف نتائج وتبعات الحرائق فيما بعضها لم يخبُ سعيرها بعد، ولا زال “الجمر تحت الرماد” بالاستناد إلى مؤشر الحرائق ورصد مخاطرها الممكنة في الأيام القليلة المقبلة؛

أما في النتائج والوقائع، فما إن انقشع الدخان حتى بدت الصورة أكثر قتامة، من عكار المنكوبة إلى المتن الأعلى وجرد عاليه وصولا إلى الشوف وجزين ومناطق الجنوب، لونٌ واحدٌ تدرَّج من الرمادي إلى الأسود، وأكثر من وجع؛ وخسر الناس بعضاً من مواسم الدخان والزيتون، ومثلها مواسم العنب والعنَّاب والتين، وكذلك الصنوبر المثمر وأنواع عدة من المزروعات. فيما خسر لبنان مساحات إضافية من الغطاء الأخضر، وما يحفل به من أشجار ونباتات برية، الأمر الذي ستكون ارتداداته خطيرة على التنوع الحيوي والبيئة والمناخ، فضلا عن مآسٍ طاولت قطاعاً يعاني أساساً من الركود والكساد، أي قطاع الزراعة وما يمثل من أهمية في بنية الاقتصاد الهشة أساساً.

(حرائق المشرفة وشارون، تصوير إياد الحكيم)

 

يمكن تقييم الخسائر ما لم تبادر وزارات البيئة والدخلية والزراعة إلى تبني خطة إنقاذية سريعة للتعويض على المزارعين وتحديد آلية واضحة لتنفيذها، بعيداً عن الترف الذي اعتدنا عليه، لجهة أنّ يقتصر الأمر على حملات “إعلامية” لا تُسمن ولا تغني من جوع. وهنا ثمة مسؤوليات تقع بالدرجة الأولى على البلديات كسلطة محلية لصيقة بمعاناة الناس، وقادرة على العمل وفقاً لمقتضيات واقعها، شرط أن تلقى رعاية من الوزارات المعنية.

جرد عاليه

المشرفة وجرد عاليه
المشرفة وجرد عاليه

من غير الممكن الإحاطة بالكارثة في تحقيق أو مقالة، لكن تسقطنا أخبار بعض المناطق والقرى في مناطق عدة، علماً أن الأمر سيبقى موضع متابعة نظراً لهول المشاهد وتداعيات الكارثة ونتائجها، فضلاً عن تقصي أسبابها إذا ما تمكنت الأجهزة الأمنية من ضبط مفتعلي بعض الحرائق.

رئيس بلدية المشرفة في منطقة الجرد الأعلى في قضاء عاليه الدكتور غازي الحكيم أشار لـ “أحوال” إلى أنّه لم “يتبقَّ في الجبل الذي كنا نتغنى بجماله أشجار صنوبر مثمر وزيتون، ولا أشجار تين وعناب، حتى دوالي العنب احترقت، إذ كان للمشرفة حصة الأسد من الأضرار”.

وقال: “انطلقت الحرائق من جهة وادي المشرفة – شارون وامتدت إلى المشرفة وبدغان، وأتت على مساحة واسعة من الأراضي تقدّر بأكثر من مليون متر مربع من المشرفة إلى شارون وبدغان”، لافتاً إلى “احتراق أعداد كبيرة من أشجار صنوبر المثمر المعمرة تترواح أعمارها بين 100 و150 سنة، فيما أشجار الزيتون ترقى أعمارها إلى مئات السنين”.

وتساءل الحكيم: كيف نحمي القيمة السياحية والجمالية لجرد عاليه والجبل والبقاع وسائر المناطق اللبنانية؟” لافتاً إلى أنّ “الحريق لم يكن وليد الصدفة وحالنا حال جميع المواطنين في المناطق المنكوبة جرّاء النيران التي امتدت إلى شبابيك بيوتنا”.

اجتماع طارئ

وتوجه الحكيم بسؤال إلى المعنيين: بالنسبة إلى العاصفة التي ضربت منطقتنا السنة الماضية، لم يكشفوا على الأضرار إلا قبل أيام قليلة، فمن يعوّض على الناس خسائرهم؟ ومن يعوّض على لبنان مساحاته الخضراء المنكوبة؟ وقال: “إذا حصلت مخالفة بناء صغيرة نجد القوى الأمنية وقد تحركت بسرعة، فيما إلى الآن وبعض مضي أيام على الكارثة لم يحضر أحد من القوى الأمنية لإجراء تحقيق أولي عن مصدر النيران وسبب اندلاعها ومساحة الأراضي المتضررة؛” مضيفاً: “لم يتصل أحد إلا مَن هُم من أهل البيت للإطمئنان علينا”، وأشار إلى أنّه أصيب خلال عمليات إخماد النيران. وأردف الحكيم، منوهاً بجهود عناصر الدفاع المدني في مركز رشميا وعين زحلتا، “لن نرضى أن نكون كبلديات انتخبنا من الشعب مباشرة شماعة تعلّق عليها إخفاقات المسؤولين ونُـتَّهم من هذا أو ذاك”.

وتوازياً، عُقد نهار الإثنين اجتماع طارئ لـ “اتحاد بلديات الجرد الأعلى – بحمدون” في مركزه في بصوفر عرض فيه رئيس الاتحاد المهندس كمال سامي شيا لسبل مواجهة الكارثة.

باتر

تجدّد الحرائق في باتر الشوف
تجدّد الحرائق في باتر الشوف

وتجدّدت الحريق في باتر الإثنين وتمكّن الأهالي وبعض الوافدين السوريين بمواكبة البلدية من إخماد حرائق باتر مجدداً، وقال الأستاذ المتقاعد نبيل خطار من البلدة إنّ “الحرائق طاولت الأشجار الحرجية من صنوبر وسنديان، ولكن تمكّنا بجهود عناصر الدفاع المدني وحوالي 500 شخص من التعاون على إطفاء الحريق وتجنيب الأشجار المثمرة من زيتون وصنوبر الحرائق، كما ساهمت طوافات الجيش في إخماد النيران”. ولفت أنّ  “النيران عادت وتجددت صباح الإثنين وتمكنا من إخمادها”. وأشار إلى  أنّ “الخسائر الأكبر طاولت بلدة نيحا، حيث امتدت النيران، وطاولت مساحة قدرت بمئات الآلاف من الأمتار”.

 

الدفاع المدني وتجار الحطب

ثمة أكثر من فضيحة كانت سبباً في تراجع أداء عناصر الدفاع المدني، فعدد من سيارات الإطفاء معطلة منذ مدة؛ حيث علم “أحوال” أنّ سيارة إطفاء في مركز صوفر لم تتمكّن من المشاركة في إخماد النيران بسبب تعطل القابض (الدوبرياج)، ما اضطر العناصر لبذل جهود مضاعفة وتعريض حياتهم للخطر.

وقال عماد غانم أحد عناصر الدفاع المدني لـ “أحوال”: “حضرنا مؤتمراً في نقابة الصحافة، شارك فيه رئيس حكومة تصريف الأعمال، ووعدنا بأن ينهي ملف المتطوعين في الدفاع المدني، إذ لم يتبقَّ سوى توقيع رئيس الجمهورية على أمل تثبيتنا هذه المرة بعد وعود لعقود من الزمن”.

وكشف عن حرائق عكار: “كل يوم كانت تنشب من 4 و5 حرائق، ووصلت مساحة الحرائق في عكار منذ آب (أغسطس) الماضي إلى 5 ملايين متر مربع، أما في الضنية فوصلت إلى نحو مليون ونصف المليون متر مربع، حيث تمكنا من السيطرة على الحرائق في يوم واحد لكن حرائق عكار امتدت لأيام عدة”.

واشار عنصر من الدفاع المدني (آثر عدم ذكر اسمه) إلى أنّ أحد الأشخاص هاجمنا ونحن نقوم بعملنا وحاول طردنا، وتبيّن لنا أنّه تاجر حطب، وعلمنا من أهالي المنطقة في عكار أنّ نقلة الحطب تساوي نحو 3 ملايين ليرة”. ولفت أنّ 80 بالمئة من الحرائق مفتعلة، دون إغفال أسباب أخرى منها حرق نفايات وتقشيش أو سيجارة أو زجاجة فارغة وغيرها من الأسباب.

مزارعو التبغ… جنوباً

في عدشيت الجنوب (الصورة للوكالة الوطنية)
في عدشيت الجنوب (الصورة للوكالة الوطنية)

زار نائب رئيس الإتحاد العمالي العام نقيب مزارعي التبغ حسن فقيه، بلدة عدشيت الجنوبية، مطلعاً على أضرار الحرائق وخصوصاً في محاصيل التبغ. واطمأن إلى وضع المزارع حسن محمد صالح الذي أُصيب بحروق وخسر محصوله من التبغ الموضب والجاهز للتسليم لـ “الريجي” والذي يقارب ثلاثة آلاف كيلوغرام.

وأدلى فقيه بتصريح قال فيه: “زرنا بلدة عدشيت وهي من أمهات البلدات التي تعيش من زراعة التبغ، حيث التقينا الأهل واطلعنا على الأضرار الفادحة التي أصابت المزارعين في العديد من قرى الجنوب، مبدين تأثرنا وأسفنا لما آلت إليه أمور المواطنين الذين خسروا أشجارهم المثمرة لاسيما شجر الزيتون في العديد من البلدات، في مشهد كارثي وخسائر لا تعد ولا تحصى”.

وتوجّه إلى الأمين العام للهيئة العليا للإغاثة اللواء محمد خير وإلى المحافظين والقائمقامين، مناشداً “إجراء مسح سريع وعاجل بالتعاون مع البلديات، حتى يستطيع المزارعون الحصول على تعويضات تمكنهم من معاودة زراعة ما دمرته الحرائق، مع ضرورة فتح تحقيق حول ما إذا كانت هذه الحرائق مفتعلة، لمعاقبة مرتكبيها”.

وحيّا فقيه “جهود أفراد الدفاع المدني الذين واجهوا الحرائق بالإمكانات المتوافرة”، مشدداً على “ضرورة تثبيتهم وزيادة عديدهم وتزويد الدفاع المدني بتجهيزات حديثة لا سيما طائرات إطفاء الحريق”، ومطالبا بـ “إصدار الحكم في قضية الطائرات الفضيحة وغير الصالحة، والتي أقيمت لها الإحتفالات يوم تم شراؤها، ليتبين لاحقاً بأنّ ملايين الدولارات ذهبت سدى، وبأننا بحاجة للطيران القبرصي والأردني يوم شب الحريق في الشوف في مثل هذا الوقت من العام الماضي”.

تقرير درب عكار

ما خلفته الحرائق في عكار - الصورة لدرب عكار
ما خلفته الحرائق في عكار – الصورة لدرب عكار

فيما غابت السلطات المعنية عن مواكبة الكارثة بسائر تبعاتها البيئية والاقتصادية، قدمت مجموعة درب عكار البيئية نموذجاً يُحتذى ليس عبر مساهمتها الميدانية في إخماد النيران، ولا عبر تبرعات أعضائها والناشطين فحسب_ التي وفّرت مبلغاً لشراء سيارة رباعية الدفع، وإنّما في التقرير الذي أصدرته الإثنين معوِّضة بذلك تقاعس وتقصير الدولة، وزارات ومؤسسات معنية.

وجاء في التقرير: “بتاريخ 8/10/2020 وبينما كان رجال الدفاع المدني يكافحون عدداً من الحرائق في منطقة جرد القيطع، باغتهم حريق، تقول معلومات إنّه انطلق من مكبّ عشوائي للنفايات ليتمدد بفعل الرياح والحرارة، بشكل سريع جداً بين الغابات المحيطة بمنطقة عيون السمك والتي تحتوي على العديد من البساتين الزراعية المغروسة بأشجار الزيتون، لتبلغ الأضرار أرقاماً هائلة هي الأكبر لهذا الموسم ليس فقط في عكار إنّما في كل لبنان”. وأضاف التقرير: “في تقديرات سريعة للأضرار، بلغت كالتالي:

-التقدير الاولي للمساحة المحترقة بين 2.4 و3 ملايين متر مربع من الغابات والبساتين.

-احتراق وتضرّر موسم الزيتون في كامل بقعة الحريق التي تضم عشرات آلاف الامتار من بساتين الزيتون التي لم تقطف بعد.

-احتراق عشرات قفران النحل وفقدان الموسم بكامله.

-خسارة الكثير من الحيوانات والطيور لموائلها.

-تضرّر أعمدة الاتصالات والتيار الكهربائي في مناطق الحريق القريبة من الطريق العام.

-أضرار اخرى كثيرة تتطلب مسحاً ميدانياً مركزاً ومفصلاً.

ولحظ التقرير أنّه “وبالرغم من كون منطقة سفينة القيطع مصنفة غابة محمية بموجب القرار رقم 10 تاريخ 17/1/1997 خاضعة لأحكام قانون حماية الغابات رقم 558 الصادر بتاريخ 24/7/1996، إلا أنّ ذلك لم يشفع لها، وبقيت التعديات قائمة على غاباتها، وهي تشهد للسنة الثانية على التوالي أكبر الحرائق على مستوى عكار ولبنان؛ لذلك ينبغي التشدد في تطبيق قوانين الحماية والتعامل بحزم مع أيّ مخل بأحكام خاصة لجهة إضرام النيران ورمي النفايات”.

حاصبيا نجت من الكارثة

وفي منطقة حاصبيا، تواصلنا مع رئيسة جمعية Soil البيئية أمية الصفدي، لمعرفة ما إذا كانت ثمة أضرار ناتجة عن الحرائق، فقالت لـ “أحوال”: “حاصبيا نجت هذه السنة من الحرائق ولكن قلوبنا مع سائر المناطق المنكوبة والمتضررة”.

متري:  الحرائق هذا العام أسوأ من 2019

كشف مدير برنامج الأراضي والموارد الطبيعية في معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند الدكتور جورج متري لـ “أحوال”: “حذرنا من يومي الخميس والجمعة لأنّ مؤشر الحرائق كان مرتفعاً للغاية، وأنّ موسم الحرائق أسوأ من 2019″.

ولفت إلى وجوب تجهيز سيارات الدفاع المدني، خصوصاً وأنّ عددها وعتادها يمكنها السيطرة على حرائق صغيرة ومتوسطة لا الحرائق الكارثية التي حصلت خلال الفترة السابقة، وفي إحدى المناطق كانت خمساً من آلياتها معطلة، فالإدارات المسؤولة لا تتحمل مسؤولياتها”.

وأشار إلى “أننا تجاوزنا المعدل السنوي في هذين اليومين، فالمعدل ألف هكتار، في عكار وحدها منذ آب 500 هكتار (5 ملايين متر مربع) ودير الحرف 200 هكتار، وفي المنطقة بين باتر ونيحا في محيط محمية الشوف للمدى الحيوي مساحات كبيرة للغاية، حريق السفين شمالاً 300 هكتار، ولا يمكننا إجراء إحصاء إلا بعد أن ينتهي موسم الحرائق. ولكن بتقديري تجاوزت المساحة 1500 هكتار، وقد تتخطى هذا الرقم بكثير، فما زال المؤشر مرتفعاً، حتى لو هطلت الأمطار نهاية الأسبوع القادم، فمع الظروف كالرياح والحرارة والجفاف، من الممكن أن تصل المساحة إلى 1600 هكتارا بسهولة، إلا إذا هطلت الأمطار بغزارة”.

وأشار إلى أن “الخسارة البيئية والإقتصادية طاولت الأملاك الخاصة والأشجار المثمرة التي يعتاش منها الناس وخصوصا الزيتون”.

وختم متري: “أثبتت إدارة الأزمة عدم فعاليتها، ومنذ العام 2019. فقد تركت الناس لتواجه النيران بأيديها وبمعدات بدائية أمام حرائق كارثية، ولو أُعطيت الدعم الكافي لكانت فعالة أكثر، فالإتكال على الوزارات المعنية أثبت أنه لا يؤدي لنتيجة، مع غياب تام للسلطات المعنية، فلم ينزل مسؤول على الأرض حتى لدعم معنوي للمناطق المنكوبة، ولا يمكن إلا أن نشكر عناصر الجيش اللبناني والدفاع المدني على جهودهم، ولكن إلى متى نستمر في المماطلة في إدارة رسمية للأزمة والجهوزية الكاملة للخطر الذي نستطيع تجنبه؟”.

 

اظهر المزيد

أنور عقل ضو

صحافي في جريدة "السفير" منذ العام 1984 إلى حين توقفها عن الصدور. عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية في لبنان والعالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: