حقوق

ما هي الدولة “المدنية” وكيف تختلف عن الدولة “العلمانية”؟

المبادىء والقيم بعيون علمية

أصبح الحديث عن الدولة المدنية الشغل الشاغل للبنانيين في هذه الأيام بعد إعلان الأطراف السياسية الأساسية نيّتها العمل الجدي على مشروع الإنتقال الى هذه الدولة، ويعتقد كثيرون أن هذه الدولة ستشكل الحل الأمثل لمعضلة النظام الطائفي اللبناني، إلا أن البداية لم تكن مشّجعة، خصوصا على وسائل التواصل الإجتماعي.
اختلف لبنانيون على وسائل التواصل على تعريف الدولة المدنية وماذا تتضمّن، فربط بعضهم بينها وبين الدولة العلمانية، لذلك ينبغي تعريف الدولة المدنية بشكل عام.

تعريف الدولة المدنية

الدولة المدنية كمصطلح هو غير موجود في أدبيات السياسة وعلم السياسة، بل هو مصطلح يعطي دلالات معينة، فالدولة المدنية بحسب الدكتور المحاضر في كلية الحقوق والعلوم السياسية في الجامعة اللبنانية مجتبى مرتضى، تعني القيم التالية:
الديمقراطية والسلام الإجتماعي، حرية المعتقد والفكر، احترام الإختلاف، واحترام القرارات واحترام كرامة الأمة، المساواة بحيث لا يكون لناس ميزة على ناس، مثلا لا ميزة او افضلية لرجال الدين او العسكر، فالجميع سواسية امام الدولة، فصل الدين عن السياسة واستقلال المؤسسات الدينية.
ويشير مرتضى الى أن الدولة المدنية بهذا الشكل تمثل كل هذه القيم، وعند الحديث عنها نتحدث عن مجموعة كبيرة من القيم الانسانية التي كرستها المجتمعات على مدى العصور السابقة من المجتمعات البدائية الى المجتمعات اليوم القائمة على الدولة.
ويلفت النظر الى أن أغلب الافكار التقدمية بل يمكن القول كل الافكار التقدمية أتت ردة فعل لمواجهة واقعا ميؤوسا منه، وفكرة الدولة المدنية وُلدت بالأساس لتكون مقابل الدولة الكنسية، وبالتالي كان الهدف من إحقاق الدولة المدنية هو محاربة الدولة الدينية في ذلك الزمان، فقاموا بإرساء المفاهيم، ولكنه لم يكن المقصود تدمير الدين ومن هنا الفارق بين الدولة المدنية والدولة العلمانية.

الفرق بين الدولة المدنية والدولة العلمانية

هناك فرق كبير بين المفهومين، وبحسب مرتضى فإنه، نظريا، العلمانية تدعو للمساواة أي أن الجميع يتساوون امام القانون وليس هناك خصوصية لاحد، ولا يعود بظل الدولة العلمانية أي خصوصية لأي فكر ودين ومجموعة بشرية.
بينما الدولة المدنية تدعو للعدل، أي عندما نتحدث عن العدل في لبنان مثلا، تُراعي الدولة المدنية بعض الخصوصيات، فلا تقحم نفسها بمعارك مع أحد داخل المجتمع، ومن هنا يُمكن أن تكون مدخلا للحلول في لبنان، فتكون الدولة التي تمثل القيم الإنسانية الراقية وتراعي الخصوصيات بنفس الوقت، ومن هنا ينطلق الحديث بالدولة المدنية التي يمكن أن تختلف من دولة الى دولة.

مبادىء الدولة المدنية

هناك عناوين عريضة ومسلمات أساسية لا يمكن التنازل عنها أما ما خلا ذلك فيمكن أن يتغير بناء للدولة، والمبادىء الأساسية في أي دولة مدنية بحسب مرتضى هي قيم السلام والتسامح، وقبول الآخر، والمساواة في الحقوق والواجبات، ضمان حقوق كل الواطنين، والسلطة العليا للقانون وهي فقط التي تطبق القانون، ومبدأ المواطنة، وبنفس الوقت لا تعادي الدين ولكن لا تخلطه مع السياسية، وأيضا المبدأ الأساسي هو الديمقراطية، وهنا يُطرح سؤال: هل يمكن أن تكون دولة مدنية بحكم ديكتاتوري، او ملكي، أو عسكري؟
يشير مرتضى الى أن الديمقراطية هي الأساس، ولا قيام للدولة المدنية من دون الديمقراطية، أي احترام الإرادة الشعبية، ورأي الناس، وخيارات الناس، والعودة بكل المفاصل الأساسية الى الناس لأن الحكم بإسمهم، الامر الذي يُنتج تداولا بالسلطة من خلال الإنتخاب والإنتخاب فقط، لذلك الدولة المدنية هذه تتعارض مع الدول العسكرية مثلا، ولا تستقيم مع حكم دكتاتوري أو عسكري او ملكي. ولكن هل تتعارض مع الإسلام؟.
السؤال يُطرح هنا لأنه قد يأتي البعض لمعارضتها من خلال القول انها تخالف دين الإسلام، بينما في الواقع، يقول مرتضى أن الرسول أتى ليتمم مكارم الاخلاق، وهناك بعض الفقهاء والدستوريين يعتقدون أن أول دولة مدنية كانت الدولة التي نشأت في عهد الخليفة الاول، ويستشهدون بذلك بعدة إعتبارات فيقولون أن هذه الخلافة أتت من خلال البيعة وهي تجسيد ديمقراطي لإرادة الناس. اذا، لا تعارض بين الدولة المدنية وقيم الإسلام طالما استمر احترام الدين، وتطبيق الدولة اذا كان يؤمن الصلاح، فيجب أن يكون مطلبا إسلاميا في لبنان وغير لبنان.
بكل الأحوال التوجه نحو الدولة المدنية في لبنان هو مسار طويل من العمل والجهد، ويتطلب إرادة حقيقية من كل الناس، والجميع يجب أن يشارك بهذا الجهد، لينتج الدولة التي تتناسب مع قيمهم المشتركة، اذ يجب البحث عن المشتركات وأهمها الإنسانية، بعيدا عن كل باقي التفاصيل المتعلقة بالاختلافات الدينية، ويجب ان يكون هناك إطار للتعامل مع الإختلافات بحيث لا يؤثر على أساس الدولة المدنية المطلوبة.

محمد علوش

اظهر المزيد

محمد علوش

صحافي لبناني، يحمل إجازة في الحقوق وشهادة الماستر في التخطيط والإدارة العامة من الجامعة اللبنانية. بدأ عمله الصحافي عام 2011، وتخصص في كتابة المقالات السياسية المتعلقة بالشؤون اللبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: