صحة

لبنان: ارتفاع نسبة الإصابة بأمراض القلب لدى الشباب إلى 40% وهذه هي الأسباب

ارتفعت نسبة الإصابات بالذبحة القلبية وبأمراض القلب والشرايين في لبنان في الآونة الأخيرة، خصوصاً بين الشباب بأعمار شابة فتية، وارتفعت نسبة الوفيات بالذبحة القلبية بين الشباب في مقتبل العمر في شكل مفاجئ. وهذا ما يدفعنا لنطرح أسئلة عدة عن الأسباب المباشرة وغير المباشرة لتدهور الصحة القلبية لجيل من الشباب.

أسئلة عدة طرحت أوضحها الدكتور طلال حمود طبيب قلب تدخُّلي الذي رأى في تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والمعيشية وتفشّي حالات البطالة عوامل رفعت نسبة الإصابات بأمراض القلب والشرايين إلى ٤٠٪؜، ومع التوتر الذي يشهده لبنان منذ 17 تشرين الأول 2019 وارتفع معها التدهور الاقتصادي واقفال مؤسسات كثيرة أبوابها، بالإضافة إلى جائحة كورونا التي زادت الأزمة، ليأتي الانفجار الكبير لمرفأ بيروت ما رفع حدّة تدهور الأوضاع، ظروف أوجدت جيلًا كاملًا من الشباب في حالة تخبّط وضياع وإرباك كامل وقلق وخوف على المستقبل.

ويوضح د. حمود: “أن الذبحة القلبية عند الشباب لا تُمثّل أكثر من 3 الى 5% من مجموع الذبحات القلبية الافتتاحية عند مُجمل المرضى الذين يصابون بهذه الأمراض، لكن هذه المشكلة الطبية خطيرة جداً بسبب كون المُصابين بها من الشباب العاملين والناشطين في مجتمعاتهم وبسبب الآثار الاجتماعية والعاطفية والإنسانية التي تتركها. وهنا نشير أيضاً إلى أنّه على رغم خطورة هذه الإصابات عند الشباب وأثرها النفسي الكبير عليهم، هناك عامل اطمئنان مُهم أظهرته مُعظم الدراسات العلمية المتوفرة حالياً، وهو يتمثّل بأنّ نسبة الوفيات عند تعرّض هؤلاء الشباب لذبحة قلبية هي أقل بكثير من النسبة التي نجدها عند الكبار وكذلك بالنسبة الى مُستقبلهم في شكلٍ عام وإلى مُعاودة نشاطهم واستمرارهم في عملهم في شكلٍ طبيعي، فهي عندهم أفضل منها عند المتقدمين في السن، طبعاً بعد مراقبة وعلاج عوامل الخطورة الموجودة عندهم.

ويؤكد د. حمود أنّ لهذه الظاهرة بعض الخصوصية التي تشير فيها الدراسات العلمية أنّه حوالي 50 إلى 70% من حالات الذبحة القلبية عند الشباب، يكون مرض تصلّب الشرايين عند الشباب “غير نموذجي” أو “غير نمطي” ومُختلف عن مثيله الذي نراه عند المتقدّمين في السن.

ومن أهم خصائص هذا المرض مقارنة مع المتقدّمين في السن هو أنه غالباً ما يصيب شرياناً واحداً فقط من شرايين القلب الرئيسية الثلاثة (Single vessel disease) مُقارنة مع المتقدّمين في السنّ حيث يُصيب المرضى في غالب الأحيان شريانين أو ثلاثة من الشرايين التاجية للقلب.
في المقابل هناك حوالي الثلث من حالات الذبحات القلبية عند الشباب التي لا يوجد فيها أي أثر مهم لمرض تصلّب الشرايين. وقد تكون هذه الحالات ناتجة عن عوامل مُتعدّدة استعمال المخدرات مثل مادة الكوكايين، أو عند وجود تشوّه خلقي في الشرايين التاجية للقلب، وهو ما قد يُترجم في أحيان كثيرة بذبحة قلبية مُفاجئة تُصيب هذا الشاب خلال أحد التمارين الرياضية أو خلال بعض المباريات الرياضية، وتتسبّب عنده بموت مفاجئ أو بتوقف مفاجئ في عمل القلب، ناتج عن انسداد مفاجئ أو ضغط مفاجئ على أحد الشرايين التاجية للقلب عند القيام بجهد كبير. وأخيراً فأن تعدّد الإصابات الشريانية عند الشباب، يظهر مُرتبطا أكثر بعدد عوامل الخطورة لديهم وخاصة في حال إصابتهم بمرض السُكّري”.

عوامل الذبحة القلبية
reuters

أما عن العوامل الخطرة في الذبحة القلبية عند الشباب فهي متعددة ويعدد د. حمود بعضها قائلاً:

“إن التدخين يظهر وكأنه السبب الأول والرئيسي للذبحات القلبية عند الشباب، وهو مسؤول عن حوالى 80% من الحالات، ذلك لأنه يتسبّب في حصول خلل في وظيفة البطانة الداخلية للشرايين التاجية للقلب (Endothelial dysfunction). وهو ما قد يُساهم كثيراً في حصول تشنّج أو انقباض (Coronary spasm) في هذه الشرايين في حالة الراحة أو تحت تأثير بعض العوامل الأخرى. وكلما زادت كمية السجائر المُدخّنة كلما كان خطر حدوث الذبحة القلبية أكبر. وهذا ما يؤشر إلى خطورة انتشار ظاهرة التدخين على جميع أنواعه، وخاصة تدخين النرجيلة عند الشباب والمُراهقين وحتى عند الأولاد الصغار، كما يحدث في معظم الدول النامية أو المُتخلّفة حيث نرى الأطفال يُدخّنون النرجيلة في شوارع المناطق الفقيرة والضواحي وحتى في بعض المدن وتحت نظر ورعاية وابتسامات وتشجيع اهاليهم في بعض الأحيان والتي لا تدلّ سوى على ارتفاع منسوب الجهل وقلّة الثقافة والوعي الصحي للمخاطر الكبيرة لهذه الظاهرة الخطيرة”.

وللمخدرات دور مباشر يوضحه كالتالي: “هناك حالات غير الناجمة عن مرض تصلب الشرايين، ومنها تعاطي مادة الكوكايين، لأن هذه المادة تمنع إعادة ضبط أو امتصاص مادة الـ (Norepinephrine) في الخلايا العصبية، وهذا ما يتسبّب بزيادة كميات هذه المادة في الخلايا العضلية التي تصل إليها هذه الأعصاب، وبالتالي هذا ما يتسبّب في ارتفاع الضغط الشرياني وازدياد ضربات القلب وزيادة حاجات القلب من الأوكسجين والأغذية الأخرى، وما يتسبّب أيضاً في تشنّج أو انقباض الشرايين التاجية للقلب وإلى هبوط كميات الأوكسجين التي توصلها هذه الشرايين إلى عضلة القلب. وعبر هاتين الطريقتين فإن تناول كميات كبيرة من الكوكايين وزيادة هذه المادة بشكلٍ حاد في الدمّ قد يؤدّي إلى نقص في تروية عضلة القلب أو إلى الإصابة بذبحات قلبية حادة أو اضطرابات خطيرة في ضربات القلب”.

ويضيف د. حمود في السياق نفسه: “أما التناول المُزمن لهذه المادّة فهو يؤدّي إلى أمراض في عضلة القلب التي قد تتوسّع أو قد تتضخّم (Dilated or hypertrophic cardiomyopathy) وإلى تسرُّع أو تطوّر مرض تصلّب الشرايين بشكلٍ كبير وإلى حدوث حالات التهابات في عضلة القلب أو إلى حدوث وفاة في بعض الخلايا العضلية القلبية في أماكن متنوعة من هذه العضلة.

وعن الغذاء غير الصحي يوضح د. طلال حمود: “المسببات الأخرى المهمة التي قد نجدها عند الشباب فهي تتمثّل في مشكلات واختلال استقلاب الدهنيات في الدم (Lipid abnormalities) بحيث أن هناك عدّة حالات ناتجة عن خلل وظيفة بعض الجينات الموجودة في خلايا الكبد، وخاصة تلك التي يؤدّي عدم عملها بشكلٍ طبيعي إلى زيادة نسبة مستوى الدهنيات الضارة (LDL-Cholesterol) في الدم، وبالتالي إلى تكوُّن مرض تصلّب شرياني مُبكر نتيجة عملية ترسّب هذه الدهنيات السريعة والمُخيفة في جدار الشرايين التاجية للقلب. ومن أهم هذه الأمراض: ارتفاع مستوى الكولسترول العائلي مُتجانس الآليات (Homozygous familial hypercholesrolemia) وخلاله يرتفع مستوى الدهنيات الضارة (LDL-Cholesterol) في الدم إلي 4 اضعاف المُستويات الطبيعية. وهناك نوع آخر من هذه الأمراض وهو ارتفاع الكولسترول العائلي غير المُتجانس الآليات (Heterozygous familial hypercholesterolemia) والذي يرتفع خلاله مستوى الـ (LDL Cholesterol) إلى ضعفي الرقم الطبيعي. والنوع الأول الخطير من هذا المرض يُصيب حوالى شخص من كل مليون شخص من عامة الناس.

والنوع الثاني هو أكثر انتشاراً ويُصيب شخصاً من كل 500 شخص. والإصابة بهذه الأمراض قد تكون أكثر رواجاً عند بعض الفئات والقوميّات مثل اللبنانيين المسيحيين والكنديين من أصل فرنسي والجنوب أفريقيين. وبعكس الشكل الطاغي ( Dominant) هناك بعض الأشكال التقهقرية (Recessive) التي تم اكتشافها أيضاً عند بعض العائلات اللبنانية. ومنذ اكتشاف الاختلالات الجينية التي قد تصيب لاقط الـ ( LDL Receptor) في الجسم سنة 1986 والذي يتكوّن بسبب خلل عملها بارتفاع مستوى الـcholesterol) LDL ) الضار في الجسم إلى مستويات غالباً ما تكون مُتوسّطة أو خطيرة في بعض الأحيان. ومع أن البدايات كانت تشير إلى أن هذه الأمراض قد تكون ناتجة عن عمل جين واحد توالت الاكتشافات فيما بعد مع اكتشاف خلل عمل جين الـ (Apolipoprotein سنة 1987 وخلل عمل جين الـ(Protein convertase subtilin /kexin 9 ) سنة 2003 . وكذلك اكتشافات أخرى تتناقل من خلال الصبغة التقهقرية المُتنحيّة العادية (Autosomal recessive hypercholesrtrolemia gene(ARH)) في سنة 2001.

وسريرياً فإن النمط الظاهر الأول من هذا المرض واضح وسهل التشخيص بسبب ارتفاع مستوى الـ (LDL Cholesterol ) إلى مستويات خطيرة (4 أضعاف الطبيعي) وبسبب علامات خارجية جلدية وفي العيون واضحة منذ الطفولة. وهنا غالباً ما يكون التاريخ العائلي المرضي مليء بالمعلومات والحالات المثيلة. في المقابل فإن النمط الثاني المتوسط منه فهو ذو تشخيص أصعب وعلاماته الخارجية أقل بروزاً، وقد لا تظهر أبداً أو تظهر فقط خلال مرحلة البلوغ. وهنا يختلف مستوى الـ (LDL Cholesterol ) بين الرقم القريب من المستوى الأعلى من الرقم الطبيعي، إلى مستويات تصل إلى ضعفي الرقم الطبيعي. وقد يكون العامل الوراثي أو العائلي غير واضح في هذه الحالة بسبب العلاج المُبكر الذي قد يؤمّن الحماية من الاختلاطات الجانبية وخاصة من مرض تصلّب الشرايين.

هناء حاج

اظهر المزيد

هناء حاج

كاتبة وصحافية لبنانية، درست الصحافة في كلية الاعلام والعلوم السياسية في كلية الحقوق في الجامعة اللبنانية. عملت في الصحافة المكتوبة والمرئية والمسموعة في العديد من المؤسسات اللبنانية والعربية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: