سياسة

التحدّيات الاقتصادية لما بعد الانفجار

لم يكن يحتاج الاقتصاد اللبناني سوى انفجار- ترتيبه الرابع عالمياً من حيث الحجم والدمار- ليزيد من تسارع الإنزلاق نحو قعر الهاوية. وإلى الآن لم يخرج اللبنانيون عموماً وأهل بيروت خصوصاً من هول الصدمة التي أحدثتها هذه الكارثة، ومن المؤكد أنّ 4 آب أصبح تاريخاً معلماً ومفصلاً ستُبنى عليه الكثير من التطورات والأحداث في كافّة الأصعدة. ولم تستطع حكومة “في مواجهة التحدّيات” المستقيلة من أن تكون على قدر التحدّيات المالية والاقتصادية والمعيشية، بل في عهدها ازدادت حدّة الأزمات وأُضيف إليها أزمات جديدة  وتحدّيات لا بد من مواجهتها بشكل سريع وإلا لا مناصّ عندها من تحلّل الكيان وتفكّك النظام من جذوره.

إعادة الإعمار

إنّ مشهد الدمار الذي خلّفه انفجار المرفأ ذكّر اللبنانيين بصور دمار الحرب الأهلية، واستدعى بالتالي التضامن الوطني (للأسف ما زال مفقوداً) واستجلاب الدعم الدولي للملمة الجراح. ومع أنّه لم يحصل مسح جدّي وحقيقي لحجم الخراب واحتساب الكلفة الحقيقية، إلاّ أنّ التقديرات الأولية تتفاوت في احتسابها ما بين 4 مليار دولار كأقل تقدير وصولاً إلى 15 مليار دولار أقصاها، حيث أنّ كلفة إعادة إعمار المرفأ لوحده بحسب خبراء هندسيين تُقدّر ما بين 500 مليون إلى المليار دولار. ولم تفلح الضجة الإعلامية لفرنسا في مؤتمر المانحين سوى تقديم 298 مليون دولار، وهي على شكل مساعدات إنسانية وطبية، لا تسهم في إعادة الإعمار بشيء. والدولة بعجزها وتعثّرها المالي قاصرة عن توفير الدعم اللازم لهذا الغرض مما يفتح الباب أمام مساعدات دولية جدّية.

الأمن الغذائي والصحي

 الدمار جرّاء انفجار بيروت
جريح يجلس بجانب مطعم في حي مار مخايل ببيروت في 5 آب في أعقاب الانفجار
الهائل.
Photo credit: Patrick Baz—AFP

في خبر يعكس أزمة الغذاء، صرّح مصدر رسمي في مصرف لبنان أنّ المصرف لن يدعم الوقود والقمح والدواء لأكثر من ثلاثة أشهر أُخرى، في ظل تناقص احتياطي العملات الأجنبية لدى مصرف لبنان، حيث بلغ الاحتياطي لديه 19.8 مليار دولار، بينما الدعم يكلّف شهرياً ما يقارب 700 مليون دولار، وبما أن الاحتياطي الإلزامي للمصارف في مصرف لبنان يبلغ حوالي 17.5 مليار دولار وهي قانوناً أموال لا يمكن المسّ بها، وبالتالي فإن الاحتياطي القابل للاستعمال يكفي لمدة ثلاثة أشهر فقط. مع العلم أنه لدينا 35 ألف طن من الطحين في المطاحن تكفي لمدة شهر واحد فقط، ولدينا 28 ألف طن في 4 بواخر يتم تفريغها تباعاً.

نمو الناتج المحلي

من أهم التحديات الاقتصادية هو زيادة نمو الناتج المحلي والذي كان في العام 2019 سلبياً وبلغ حوالي 6.9%، وهو من أسوأ المعدلات التي مرّت بالتاريخ ال

لبناني وخاصة بعد الحرب الأهلية. ووفقاً لتقرير صندوق النقد الدولي “آفاق الاقتصاد العالمي”، من المتوقع أن يكون نمو الناتج سلبياً وأن يبلغ 12% في العام 2020، وهذا يعني أنّ الاقتصاد الحقيقي يتّسم بانكماش ملحوظ وكبير في ناتجه المحلي. ومن المؤكد أنّ انفجار مرفأ بيروت وإغلاق البلد مجدداً سيزيد من انكماش الناتج بنسبة قد تتخطى 20%. طبعاً هذا الإنكماش في الناتج المحلي ليس وليد اللحظة وإنّما تراكم عدة عوامل تضافرت وعمّقت من جراح الأزمة الاقتصادية. والأهم من ذلك كله أن جميع المؤشرات الاقتصادية والمالية تُقاس على أساس الناتج المحلي لتبيان حقيقة الوضع. ومن الأمثلة على ذلك نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي والذي سيتخطى 180% بل قد يصل إلى 190%، وبذلك يصبح ترتيبنا الثاني عالمياً. ومن المؤشرات نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي والتي قدّرته موازنة العام 2020 بحوالي 5.41% من الناتج المحلي، ولكن مع انخفاض الإيرادات العامة بسبب الأوضاع الراهنة وتقلّص حجم الناتج المحلي لا شك أن نسبة العجز المالي ستتضاعف وقد تتخطى 15%، وهذا ما يتناقض مع جميع خطط الإصلاح والدعوات إلى تخفيض هذه النسبة إلى 5% وما دون، وعلى رأسها مقررات مؤتمر سيدر. ومن أهم المؤشرات والتي يُقاس بها حجم رفاهية الأفراد هو متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي والذي يُقدّر في العام 2018 بحوالي 9300 دولار للفرد سنوياً، وبالتالي سينخفض كثيراً عن هذا الحدّ، فيُضاف إلى تدهور سعر الليرة والتضخم الجامح ليؤثر سلباً على توفير متطلبات المواطنين ورفاهيتهم. ولا نغفل في هذا الإطار التأثير المتبادل على البطالة وفرص العمل ومستوى المعيشة، ناهيك عن ازدياد الحاجة إلى الإستيراد ومزيد من الضغوط على الليرة وتدهورها.

الاستقرار النقدي

لطالما تغنّت السلطات المعنية بتوفّر احتياطي من العملات الأجنبية الذي يجعل من الاستقرار النقدي لسعر صرف الليرة اللبنانية أمراً محسوماً. ليجد اللبنانيون أنفسهم أمام أزمة معيشية خانقة عنوانها تدهور دراماتيكي لسعر صرف الليرة. من ثم يظهر حاكم مصرف لبنان في نيسان المنصرم ويعلن عبر مؤتمر صحفي أنّ احتياطي مصرف لبنان يبلغ حوالي 20.7 مليار دولار وهو يكاد يكفي تمويل حاجاتنا الاستيرادية من بعض السلع الضرورية كما تبيين آنفاً، وبالتالي أسقط أسطورة مناعة لبنان النقدية. والأنكى من ذلك كله هو تحوّل معظم الشعب اللبناني إلى تاجر ومضارب لسعر صرف عملته الوطنية بدل أن يساهم في التخفيف من حدّة تدهورها. ومهما قيل عن عوامل اقتصادية أو مالية هي السبب في هذا الإنهيار النقدي، فإني أعتقد جازماً أن السبب الأساسي هو سياسي بامتياز عبر أدوات المضاربات لتحقيق أجندات سياسية معينة عنوانها تأزيم الوضع المعيشي.

بناء نظام مالي ومصرفي متين

يعاني القطاع المصرفي من خلل هيكلي يهدّد وجوده من الأساس لغياب العنصر الركن في أي قطاع مصرفي في العالم وهو عنصر الثقة، بالإضافة إلى السيف المسلّط على رقبته وهو التحقيق الجنائي. لذلك من أولى متطلبات إعادة الإنتظام إلى الحياة الاقتصادية والمالية هو إعادة بناء النظام المصرفي وفق المهام الطبيعية وأهمها كوسيط بين المدخر والمستثمر لتفعيل حركة النشاط الاقتصادي وضخ السيولة في الماكينة الاقتصادية لزيادة نمو الناتج المحلي وإنعاش الاقتصاد.

فقد شهد النصف الأول من العام 2020 ظروفاً تشغيلية صعبة بالنسبة للمصارف اللبنانية. وبحسب تقرير بنك عودة واصلت الودائع المصرفية تراجعها، ليبلغ متوسط الإنكماش الشهري 3.5 مليار دولار منذ بداية العام. وقد تأتّى بشكل كلّي عن تقلّص الودائع بالليرة اللبنانية، في حين أظهرت الودائع بالعملات الأجنبية تراجعاً طفيفاً. ففي نهاية أيار 2020 تراجعت الودائع الإجمالية لدى المصارف التجارية إلى ما يعادل 227860 مليار ليرة ( ما يوازي 151.2 مليار دولار) بعد أن كانت 246865 مليار ليرة (163.7 مليار دولار) في نهاية العام 2019. وإنّ ودائع المصارف اللبنانية الموظفة في المصارف الأجنبية- والتي تمثّل المصدر الرئيسي للأوراق النقدية بالدولار الأميركي المخصصة لاحتياجات السيولة- قد وصلت إلى مستوى منخفض قياسي بلغ 4.5 مليار دولار في حزيران، بالمقابل بلغت المطلوبات تجاه القطاع المالي غير المقيم 7.7 مليار دولار، مما يعني أن المصارف تعاني من عجز سلبي 3.2 مليار دولار من السيولة بالعملات الأجنبية. وهذا يدلّ على حالة الثقة التي يعاني منها القطاع المصرفي وتفضيل اللبنانيين ادّخار أموالهم بطرق أخرى للحفاظ عليها.

هيكلة الدين العام

في آذار الماضي أعلنت الحكومة التوقف عن دفع سندات الدين بالدولار اليوروبوند، على أساس أن تقوم بعملية هيكلة للدين العام (93.1 مليار دولار نهاية أيار) وللعجز المالي، وكلّفت شركة أجنبية لازارد التفاوض مع الدائنين للقيام بهذا الأمر. وتعاطى جميع أصحاب الشأن والمعنيين به بخفّة واستلشاق، بل وسعى كل فريق وخاصة جمعية المصارف إلى تملّصها من تحمّل أي تبعة وقذف كلفة هيكلة الدين العام إلى الشعب اللبناني عبر رهن أصول وممتلكات الدولة إلى صندوق تسيطر عليه المصارف بالتبعة ومع الوقت.

إنّ التحديات الآنفة الذكر عظيمة وخطيرة، وهي تتطلب الوحدة والتضامن الوطني لجميع السلطات دون استثناء، وإن كانت المسؤولية الكبرى تقع على عاتق السلطة التنفيذية. وإن لم يضع جميع اللبنانيين الكتف على الكتف وشبك الأيدي ببعضها البعض لانتشال السفينة من الغرق، فلن ينجو أحد من الغرق. وإنّ المسؤولين لا يملكون ترف تأخير تشكيل حكومة عتيدة، تلقى بالتأييد الشعبي والسياسي، من أجل حسابات حزبية أو مذهبية أو مناطقية ضيقة خارج إطار المصلحة الوطنية العليا.

أيمن عمر
اظهر المزيد

أيمن عمر

كاتب وباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية محاضر في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية له العديد من الأبحاث والمؤلفا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: