اقتصاد

موازنة 2021 بين الإصلاحات ومواجهة الأزمات

الأصل في المالية العامة أنّ ما تتضمنه الموازنة العامة من إصلاحات تُعتبر هي الأهم والمنطلق للسير بإصلاحات شاملة عامة على كل المستويات وفي كل القطاعات. وعند إعداد أي موازنة، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار ظروف البلد وأزماته فضلاً عن إمكانياته وطاقاته، من أجل تحديد أهداف الاقتصاد الكلّي التي يجب على الموازنة تحقيقها عبر أرقامها وتقديراتها متخذة من السياسة المالية سبيلاً إلى ذلك. ومع ظرف استثنائي جداً يتمحور حول أزمتين مستفحلتين واحدة مالية- اقتصادية وأخرى صحية، السؤال المشروع: هل تتضمن الموازنة مشاريع وبرامج تراعي هذه الظروف؟

لا يمكننا انتقاد موازنة 2021 على أنّها شرٌّ مطلق. فهي تحمل في بنودها بعض الإصلاحات، سنأتي على ذكرها لاحقاً، ولكنها كما هي مطروحة، لا بد من التوقف عند الملاحظات التالية:

لا أساس لتقديرات الناتج المحلي

جميع مؤشرات الاقتصاد الكلّي دون استثناء تُقاس على أساس الناتج المحلي الإجمالي للبلد، من أجل تقييم حقيقي للأوضاع المالية والاقتصادية؛ وقد انطلقت الموازنات في السنوات السابقة من تقدير للناتج المحلي، ونسبة التضخم، ليُبنى على أساسه بعض المؤشرات المالية والاقتصادية؛ وأهمها نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي. ولكن الملفت للنظر، غياب حجم الناتج  المحلي الإجمالي، ومعدل النمو الاقتصادي، ومعدل التضخم المالي عن مشروع الموازنة المقترح.

فإذا اعتمدنا تقديرات صندوق النقد الدولي، وهي أن تبلغ قيمة هذا الناتج 18.7 مليار دولارفي العام 2020، وكذلك توقع ارتفاع معدل التضخم إلى 145% في العام 2020، وبحسب تقديرات الموازنة، تبلغ النفقات المتوقعة 18.259 ألف مليار والإيرادات المتوقعة 13.572 ألف مليار. وبذلك يكون العجز المالي 4.687 ألف مليار.

على أي سعر صرف؟

هنا الإشكالية الكبرى: على أي سعر صرف سيتم الاحتساب؟ فإذا سلمنا جدلاً أنّ سعر الصرف هو 1507.5 يبلغ قيمة العجز المالي عندها حوالي 3.1 مليار دولار. بناءً عليه تصبح نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي 16.5%، وهي لا زالت من النسب المرتفعة والتي طالب صندوق النقد الدولي بتخفيضها ما دون 5% لتحقيق الإصلاحات المالية.

ولكن في الواقع، فإنّ سعر الصرف أكبر من ذلك بكثير. ولو افترضنا أن مصرف لبنان استطاع تثبيت سعر الصرف عند سعر المنصة 3900، تصبح قيمة العجز المالي 1.2 مليار دولار وبالتالي نسبة العجز إلى الناتج المحلي 6.4%، وهي نسبة وهمية مقّنعة لا تعكس تخفيضها القيام بالإصلاحات الحقيقية وتحسّن المالية العامة، وإنّما السبب هو تغيّر سعر الصرف. وتم تقدير النفقات العامة على أساس سعر صرف 1507.7 وبالتالي تصبح تقديرات النفقات غير صحيحة.

أين إصلاح الكهرباء؟

يتضمن مشروع موازنة 2021 سلفة خزينة لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة 1500 مليار ليرة، وبذلك لا تختلف عن نظيراتها سابقاً؛ مما يعني غياب فعلي لمعالجة أهم خلل تسبب في العجز المالي والدين العام وهو الكهرباء. مع التأكيد أنّ أهم شروط صندوق النقد الدولي، ومن أولى مندرجات المبارة الفرنسية هو إصلاح قطاع الكهرباء، وهذا ما لم يتضمنه مشروع الموازنة. بل تنص المادة 92 على التعديل التدريجي للتعرفة على استهلاك الكهرباء مما يزيد من الأعباء على المواطنين، وهي أحد شروط صندوق النقد الدولي. ولكن ألا يتطلب ذلك القيام بإصلاح قطاع الكهرباء أولاً وتوفير التيار الكهربائي 24/24؟

الرواتب والأجور مكانك راوح

ساهمت الأزمة المالية وتدهور سعر صرف الليرة بتخفيض القدرة الشرائية للرواتب بحوالي 80%، وانعكس ذلك في أزمة معيشة خانقة؛ وتزامن ذلك مع تدهور الوضع الصحي والحاجة إلى الاستشفاء. ولطالما شكّل موظفو القطاع العام عناصر الطبقة الوسطى بما يملكون من قدرة شرائية معينة. وكل الدراسات تؤكد على أهمية الطبقة الوسطى في تحقيق النهوض الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي.

الأزمة الحالية عمّقت من التفاوت الاجتماعي، ونقلت الجزء الأكبر من الطبقة الوسطى إلى الفقيرة. وهذا يتطلب إعادة التوازن الاجتماعي، عبر تصحيح حقيقي للرواتب والأجور وزيادة من حجم الطبقة الوسطى التي يشكل الموظفون عمادها، وهذا ما خلت منه الموازنة. بل على العكس من ذلك، بعض بنود الموازنة وهي المواد 105- 106 و107 تنزع من موظفي الفئة الثالثة بعض مكتسباتهم المرتبطة بالاستشفاء، تعويضات الصرف والتقاعد، وقد تحمل في ثناياها التمهيد للتعاقد الوظيفي.

مكامن الهدر والفساد لم تُعالج

الصناديق التي تُعتبر صناديق الهدر والفساد مثل صندوق المهجرين، مجلس الجنوب، مجلس الإنماء والإعمار، مؤسسة أليسار، مؤسسة المحفوظات الوطنية، المجلس الوطني للسلامة المرورية، المؤسسة العامة للأسواق الاستهلاكية، وغيرها، لم يتم معالجتها، ومشروع الموازنة هذا يُخصص لها اعتمادات لا تختلف كثيراً عن السنوات السابقة.

المادة 60 تقترح تعديل رسوم المرافئ والمنائر، وكأنّ التهرّب الجمركي والضريبي قد تمت مكافحته في الأساس. المادة 69 تقترح ولمرة واحدة إعفاء أشغال الأملاك العامة من غرامات التأخير في تسديد الرسوم بنسبة 90%  عن سنوات 2019 وما قبل، شرط تسديدها في مهلة أقصاها 6 أشهر، وتقسيطها رسوم عامي 2020 2021 لمدة 3 سنوات دون فوائد أو غرامات؛  وفي هذا تساهل واضح، حيث يجب التتشدد في هذا الموضوع. وبقراءة الإيرادات المحصلة من الأملاك البحرية في موازنة العام 2020، ذُكر أنّها تساوي صفراً، ومتوقع أن تكون صفراً في العام 2021. وتستمر النفقات السرية في كل موازنة وهي بقيمة 40.72  مليار ليرة.

إصلاحات ولكن

يتضمن الفصل الثالث ابتداءاً من المادة 19 العديد من التعديلات الضريبية، والتي تحمل بذور الإصلاح، ولكنها تتطلب توافر بيئة سياسية وأمنية ملائمة لكي تؤتي مفعولها. على سبيل المثال:

  • المادة 23 المتعلّقة بإعفاء أرباح الصادرات اللبنانية المنشأ من الضرائب وفق شروط معينة، وهذا يشجع على الاستثمار الصناعي والتصدير وجذب الدولارات إلى الداخل.
  • المادة 25 المتعلقة بإعفاء الشركات الناشئة من الضرائب لمدة 3 سنوات وهي تشجع على الاستثمار الأجنبي.
  • المادة 26 التي تنص على إعفاء الاستثمارات الجديدة في القطاعين السياحي والصناعي بنسبة تصل إلى 75%، وبشرط أن يكون 80% على الأقل من العاملين لديها من اللبنانيين.
  • المادة 27 تدعو إلى منح حوافز للشركات والمؤسسات الصناعية والتجارية التي تنشأ بعد تاريخ نشر قانون الموازنة في مناطق ترغب الحكومة بتنميتها، وهذا ما يحقق الإنماء المتوازن الذي ينص عليه الدستور.
  • المادة 74 تقضي بإعفاء فوائد الودائع الجديدة بالعملات الأجنبية لدى المصارف من الضريبة لمدة 3 سنوات، وهذا يتطلب في البداية إعادة الثقة في النظام المالي في لبنان.
  • هناك بعض المواد والبنود 15 و16 التي تحمل الطابع الاجتماعي، وهي ضرورية في الأوضاع الحالية؛ منها نقل اعتمادات في احتياطي الموازنة لمساعدة العائلات الأكثر فقراً بقيمة 150 مليار ليرة واعتمادات بقيمة 200 مليار لمعالجة وباء كورونا.
  • المادة 35 تعفي رواتب الموظفين والأجراء الذين أصيبوا في انفجار المرفأ من ضريبة الدخل.
  • المادة 110 تنص على تسديد المصارف للودائع الجديدة بالعملة الأجنبية التي تودع لديها اعتباراً من نشر قانون الموازنة بالطريقة عينها. وكأنّ هذه المادة تؤكد على ضياع الودائع القديمة بالدولار وترسّخ الهيركات عليها. أليس الأولى إعطاء ضمانات لأصحاب الدوائع القديمة بالعملات الأجنبية لإعادة الثقة إلى القطاع المصرفي؟

الدين العام وخدمته

بالرغم من إعلان الحكومة في آذار 2020 التوقف عن سداد مستحقات سندات اليوروبوند، إلا أنّ المستغرب أنّ الموازنة تتضمن دفع فوائد على سندات خزينة خارجية بقيمة 120 مليار ليرة، وهي لا تشكّل سوى نسبة ضئيلة من الأعباء. والمفاجئ أنّ موضوع التفاوض مع الدائنين الأجانب خارج فكر وحركة المسؤولين في الدولة، وخاصة الماليينن. وظهر هذا جلياً في تعاطي مشروع الموازنة مع موضوع الدين العام الخارجي وخدمته.

 المطلوب التضامن السياسي

تحت عنوان ضريبة التضامن الوطني، تنص المادة 37 على فرض ضريبة استثنائية ولمرة واحدة فقط على قيمة كل حساب دائن لدى المصارف العاملة في لبنان كما في 31/10/2020، بحيث تم تقسيم الحسابات إلى شرائح وتحديد نسبة من الضرائب بحسب كل شريحة. طبعاً من أهم عوامل الخروج من الأزمة الحالية المستفحلة هو التضامن الوطني، ولكن حصر التضامن الوطني بالمودعين فحسب يثير السخرية والاستهزاء، مع ضرورة فرض ضرائب على الرأسمال الريعي الذي استفاد لسنوات من الأرباح الريعية على حساب الاقتصاد والخزينة. ولكن التضامن الوطني يبدأ من السلطة السياسية والحكام أنفسهم سواءً بالقرارات التي يجب أن يظهروا تضامنهم الوطني فيها ويكونوا قدوة لكل المواطنين وتأتي في مقدمتها تشكيل الحكومة بأسرع وقت ممكن، أو من أموالهم وثروات بعضهم التي امتلكوها على حساب المواطن. الأولى أن تُفرض ضريبة التضامن الوطني أولاً على الطبقة الحاكمة، ثانياً على أصحاب المصارف وكارتيلات النفط والغذاء والأدوية وغيرها.

د.أيمن عمر

 

 

اظهر المزيد

أيمن عمر

كاتب وباحث في الشؤون الاقتصادية والسياسية محاضر في كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال في الجامعة اللبنانية له العديد من الأبحاث والمؤلفا

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: