منوعات

دراسة| السلاحف الصحراوية مهدّدة بالإنقراض

إلى الآن ليس ثمة معايير أخلاقية واضحة ومحددة حيال التعاطي مع كائنات نتقاسم معها الحياة على الكوكب، ما يطرح إشكاليات عميقة حيال جملة من التهديدات والمخاطر، من تغيّر المناخ إلى ظاهرة الإحترار العالمي، وصولاً إلى التنوع الحيوي، وما نشهد من تهديدات تطاول سائر النظم الإيكولوجية، فيما نعيش اليوم عصر الأنثروبوسين Anthropocene، توصيفاً لتأثير النشاط البشري على المناخ والنظم البيئية كافة.

ويأتي كتاب “الإنقراض السادس – تاريخ لا طبيعي” The Sixth Extinction: An Unnatural History لإليزابيث كولبرت Elizabeth Kolbert، الصادر العام الماضي والحائز على  “جائزة بوليتزر” Pulitzer Prize، ليميط اللثام عن حقائق مرعبة، مردُّها إلى ما خلّفه الإنسان من كوارث على مجمل مكونات الحياة وعناصرها؛ وإذا كان العلماء يُـجمعون على أننا دخلنا مع عصر الأنثروبوسين مرحلة الإنقراض السادس، فذلك يعني بداهةً، أن الكوكب في خطر، وتكفي الإشارة إلى أنه خلال مئة سنة انقرض 200 نوعاً من الفقاريات، وأكثر من 27 ألف نوع من البرمائيات والثدييات والزواحف، فيما ثمة أكثر من 32000 من الأنواع المهددة بالإنقراض مدرجة الآن على القائمة الحمراء Red List لـ “الإتحاد الدولي لصون الطبيعة” IUCN.

السلاحف الصحراوية

لا يمكن مقاربة أي دراسة علمية تتناول الكائنات المهددة، بعيداً من حقيقة أن الإنسان هو المسؤول الأول عن تردِّي واندثار الأنواع، فقد نشر الموقع الإلكتروني لـ “مجلة العلوم” sciencemag.org الأميركية ملخصاً لدراسة علمية عن السلاحف الصحراوية في الولايات المتحدة المعروفة باسم Mojave Desert tortoises والمهددة بالإنقراض، بعد جمعها وإعادة توطينها في بيئات جديدة، بينها سلاحف كانت في الأسر (حيوانات أليفة)، ومن ثم مراقبتها ومعرفة العدد الذي تمكن من التأقلم في الصحراء وإحصاء النافق منها.

لكن الدراسة لم تتطرّق إلى الأسباب الحقيقية التي أدَّت إلى تراجع أعداد هذا النوع من السلاحف، وإن كان ذلك لا يُلغي أهميتها وموضوعيتها، بغض النظر عن نتاج ما آلت إليه التعديات على موائل السلاحف. فالدراسة بعنوانها الأهم، تتصدى لفرضية أن هذه الكائنات معرضة للإنقراض، لكن ألا يُعدُّ هذا الأمر “تعدياً” على كائنات سبقت وجود الإنسان على الأرض بملايين السنين؟

البيانات الجينومية

في هذا السياق، نشر موقع sciencedaily.com تقريراً مفصلاً عن الدراسة، منطلقاً من أن ثمة المزيد من الأنواع باتت مهددة بشدة بسبب النشاط البشري الذي يعرِّض نحو مليون نوع لخطر الإنقراض، لافتاً إلى أنّ “هناك اتجاهاً متزايداً لفهم أفضل السبل لإعادة توطين أو نقل الكائنات المهددة في البرية أو في الأسر”، وتوزّعت الاقتراحات بين اختيار المناطق الأكثر ملاءمة وتشابها من الناحية البيئية، واختيار الكائنات التي تتمتع بقدرة أكبر على التكيف مع البيئات الجديدة؛ وقد استخدم الباحثون في جامعة كاليفورنيا بيانات طويلة المدى، تم جمعها أثناء عمليات نقل السلاحف الصحراوية Mojave Desert tortoises.

بدايةً، قام فريق البحث بتحليل مجموعة بيانات جينومية لـ 166 سلحفاة صحراوية، إمّا نجت أو نفقت على مدى عقدين من الزمن، مستخدماً هذه البيانات لاستنتاج الأصل الجغرافي للسلاحف المنقولة، ووجد أن التغاير الفردي الجيني ينبىء بقدرة السلحفاة على النجاة والتأقلم في بيئة جديدة، في حين أن مسافة الإنتقال أو الوحدة الجغرافية (البيئة المجاورة) لم تؤدِّ إلى النتائج المتوخاة، وخلص العلماء إلى أن التباين في المادة الجينية هو العامل الأكثر أهمية في بقاء السلاحف حية.

نتائج غير متوقعة

تنتشر السلاحف الصحراوية على نطاق واسع في المجتمعات البيئية الصحراوية Mojave وSonoran غرب وشمال نهر كولورادو في كاليفورنيا ونيفادا ويوتا وأريزونا في الولايات المتحدة. وعلى الرغم من أن السلحفاة تعتبر عنصراً مهماً في النظام البيئي الصحراوي السليم نسبياً، إلا أن تناقص أعدادها أدى إلى إدراجها المبكر على قائمة الأنواع المهددة، بموجب “قانون الأنواع المهددة بالانقراض في الولايات المتحدة“، والذي يتضمن جزءاً من خطة استعادة الأنواع، وقد تم نقل السلاحف التي تم إنقاذها من النشاط البشري الناجم عن تدمير الموائل إلى مواقع جديدة لزيادة أعدادها المتناقصة، بحسب sciencedaily.com .

وقد كشفت التجربة الكبيرة في ولاية نيفادا، وعن طريقة الصدفة، نتائج غير متوقعة. فمن العام 1997 إلى العام 2014، نقلت “المؤسسة الأميركية للأسماك والحياة البرية” United States Fish and Wildlife Service أكثر من 9100 من سلحفاة موهافي الصحراوية واسمها العلمي Gopherus agassizii إلى الموقع الذي تم اختياره، وهو مجال واسع النطاق تبلغ مساحته 100 كلم2، وقد انضم الوافدون الجدد، وبينهم حيوانات أليفة مهجورة أو نزحت بسبب التمدد العمراني، إلى ما يقرب من 1500 سلحفاة صحراوية تعيش في الموقع المحدد.

 التباين الجيني أفضل مؤشر

وكان يسود اعتقاد أن السلاحف في المناطق الأقرب إلى مواقع النقل تكون أفضل حالاً، لكن دراسة جامعة كاليفورنيا لم تجد أي علاقة بين “منشأ السلاحف وفرص بقائها على قيد الحياة فحسب، بل كشفت عن عامل يتنبأ بأمور أفضل بكثير”. وبحسب أستاذ علم البيئة وعلم الأحياء التطوري في “مركز لا كريتز” La Kretz Center في جامعة كاليفورنيا براد شافير Brad Shaffer، فإنّ “السلاحف التي تتمتع بالكثير من التنوعات الجينية كانت تملك فرصاً للبقاء على قيد الحياة بعد نقلها”، لافتاً إلى أن “السلاحف مثل معظم الكائنات الحية، تمتلك نسختين من جينومها الكامل (نسخة واحدة من كل والد)، وكلما اختلفت هذه النسخ عن بعضها البعض، زاد تغاير “الزيجوت” (الخلية التي تنتج عن عملية الإخصاب) أي الكائن الحي الناتج عن تزواج هذه السلاحف”.

ولتعزيز النتائج، راقب الباحثون السلاحف المنقولة التي عاشت أو نفقت خلال نفس الفترة الزمنية بعد نقلها إلى الموقع، ووجدوا أن الناجية منها كان لديها معدل تغاير الزيجوت Zygote بنسبة 23 بالمئة أكثر من تلك التي نفقت. وقال شافير: “هذا يتعارض مع ما نعرفه من دراسات النقل الأخرى، لكن الكثير من التباين الجيني كان أفضل مؤشر على ما إذا كانت السلحفاة ستعيش أو تنفق”. وأضاف: “إن نقل النباتات والحيوانات المهددة بالإنقراض ضروري بشكل متزايد لمواجهة آثار تغير المناخ، وهذا يعطينا أداة جديدة لزيادة معدلات البقاء على قيد الحياة”.

سكوت: الحفاظ على السلاحف

أما المؤلف الرئيسي للدراسة، والباحث في جامعة كاليفورنيا بيتر سكوت Peter Scott، فأشار إلى أنه “على الرغم من أن هذه الدراسة أثبتت العلاقة بين تغاير الزيجوت والبقاء، إلا أنه من غير الواضح سبب ارتباط التباين الجيني الأكبر بمعدلات البقاء على قيد الحياة”، مضيفاً: “من المحتمل أن السلاحف ذات التنوعات الأكبر، لديها فرصة أفضل لامتلاك نسخة واحدة من الجين الذي يعمل بشكل جيد للغاية في بيئات متعبة أو جديدة”.

وأشار سكوت إلى أن “هدف الباحثين جعل جهود الحفاظ على السلاحف أكثر فعالية، واكتشاف الاتجاهات التي من شأنها أن تساعد الأنواع الأخرى أيضا”. وقال: “في كثير من الأحيان، تكون فرص نجاح إعادة توطين النباتات أو الحيوانات ضعيفة للغاية”، مضيفاً: “أردنا في هذه الدراسة فهم الأسباب، واستخدام هذا الفهم لزيادة فرص الكائنات الحية للبقاء على قيد الحياة.”

الحاجة لدراسات إضافية

على الرغم من أن موقع النقل واسع النطاق، فقد تم تقديم مجموعة بيانات مثيرة للاهتمام، إلا أنها ليست مثل التجربة الخاضعة للرقابة. وخلصت الدراسة إلى أنه قد تكون هناك حاجة لدراسات إضافية، لفهم السبب في أن المزيد من السلاحف غير المتجانسة جينيا لديها احتمالية أعلى للبقاء، وتحديد مقدار الزيادة في التنوع الجيني الذي يحسن احتمالات بقاء السلحفاة على قيد الحياة.

أنور عقل ضـو

 

أنور عقل ضو

صحافي في جريدة "السفير" منذ العام 1984 إلى حين توقفها عن الصدور. عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية في لبنان والعالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى