بيئة

الحنبلاس قيمة غذائية وبيئية مهددة بالإنقراض

في الماضي البعيد كان حبُّ الآس أو “الحنبلاس” يتصدَّر مداخل البيوت العتيقة، ساحلاً وجبلاً؛ ليس طلباً لثماره البيضاء الصغيرة فحسب، وإنّما طمعاً برائحة يفيض عبقُها عطراً يملأ فضاءَ الأمكنة، ولربما أدرك أجدادنا أيضاً أنّ هذه الشجيرات الدائمة الخضرة قادرة على تنقية الهواء، مسشرفين بالتجربة ما أثبته العلم أخيراً، من أنّ حب الآس شجيرة بيئية بامتياز، قادرة على امتصاص الغبار والملوِّثات وثاني أوكسيد الكربون.

وبالرغم من ثماره اللذيذة العطِرة، إلا أن حبّ الآس لم يحظَ باهتمام يوازي قيمته البيئية والاقتصادية والصحية، لا البرِّي منه ولا المدجَّن. ففي البرية، تُقتلع أغصانه وتُباع لمحال الزهور وتُستخدم في إعداد الأكاليل والمراتب، وما بقي من شجيرات مثمرة، لم يقبل المزارعون على تجديدها؛ ذلك أنّ ثماره لا تُسوَّق إلا بكميات قليلة جداً، إما لصعوبة قطاف ثماره الصغيرة البيضاء، وإما لقلّة المردود المالي الذي يجنيه المواطنون من عمليات التسويق، وهو مهدد بالإنقراض بالرغم مما يمثل من قيمة غذئية وبيئية ضائعة.

موسم السنة

هل يُسوَّق الحنبلاس على نطاق واسع في لبنان؟ وماذا عن الموسم هذه السنة؟

هذان السؤالان أجاب عنهما مواطنون من مناطق عدة. فالشيخ ناجي الحلبي صاحب محل خضار في بلدة شويت (قضاء بعبدا) قال لـ “أحوال”: “لم تصلنا من التجار كميات ولو قليلة من (الحنبلاس)”، عازياً السبب إلى “قلة الطلب بسبب الضائقة الاقتصادية وجائحة كورونا”.

في السياق عينه، أكدت المزارعة نورا عامر من بلدة الغابون (قضاء عاليه) لـ “أحوال” أن “الموسم هذه السنة جيد”، وقالت: “بالنسبة لي لا أعتمد في التسويق إلا على الطلب المسبق، واليوم بالذات أسارع الوقت لقطف كميات تلبية لطلب مواطنين أكدوا لي حاجتهم لـ 20 كيلوغراما”، لافتة إلى أنّ “الموسم يستمر حتى شهر كانون الأول”، منوهة إلى أنّ “البرد الشديد يؤثر على الثمار ولا تعود صالحة للإستهلاك”.

واستدركت عامر، قائلة: شقيقي يقوم بتسويق الحنبلاس في أسواق الخضار في بيروت، ويُباع بين 10 و11 ألف ليرة للكيلو الواحد، ويصل إلى المستهلك بسعر يتراوح بين 15 و20 ألف ليرة”.

أما المزارع سامي الأعور من المتن الأعلى، فقال: “قبل الجائحة والأزمة الاقتصادية ما كنا نفكر في تسويق الإنتاج، ولكن اليوم نعمد إلى بيع الفائض كي لا يتلف على الأشجار، وبأسعار أقل من كلفة قطافه، لكنها تساعدنا على مواجهة الضائقة الاقتصادية”، منوّهاً إلى أنّ “ثمار حب الآس المعروف بثماره السوداء غير مرغوب ويُزرع للزينة فقط”.

ملاعب: تنقية الهواء

وسألنا الخبير في العلوم الطبيعية نديم نصار ملاعب، إذا كان من الممكن التعويل على إنتاج الحنبلاس كقيمة إقتصادية، فأكد أنّ “أزهارها مصدر مهم لغذاء النحل، وثمارها مصدر غذائي مهم للإنسان والطيور الشتوية”، لافتاً إلى “أنّ أوراقه وأغصانه تتكون من درنات تحتوي على زيوت عطرية طيارة مهمة”، وأشار إلى أنّ “خشب الجذع الأساسي يمكن استعماله في الأعمال الخشبية، والأوراق المجففة يمكن استعمالها كنوع من المعطرات في الطهي فهي تكسب الطعام نكهة مميزة”.

وعن فوائد الحنبلاس وأهميته البيئية، قال ملاعب: “يساعد في تنقية الهواء من الغبار، وهو من النباتات القليلة التى لديها القدرة على التكيّف مع البيئة المالحة، ويجلب الطيور وبعض أنواع الحيوانات”، ورأى أنه “لا يوجد فرق كبير بين أنواع الحنبلاس باستثناء نوعية الثمار، فالبرية مرارتها أعلى من المهجنة”، مشدداً على أنّ “المناخ ونوعية التربة يلعبان دوراً أساسياً في كثافة أم فقر الخصائص الغذائية والعطرية”، لافتاً إلى أنّه “لا توجد دراسات تحذّر من كمية استهلاك ثمار الحنبلاس أو استخدام أورقه”.

الحنبلاس والريحان

يُعرف حب الآس في لبنان باسم آخر هو “الريحان”، لكن “الريحان”، وبحسب الموسوعات النباتية لا يمت بصلة الى “حب الآس” المعروف، وإذا ما بحثنا في المراجع العلمية نجد أنّ “الحنبلاس” له مسميات كثيرة؛ ففي بلاد الشام تُعرف ثماره بـ “الحبلاس” أو “حب الآس”، وفي مصر وتركيا بـ “الميريسين”، وفي اليمن وجنوب الجزيرة العربية بــ “الهدس”، وفي بعض بلاد المغرب العربي بــ “الحلموش” أو “هلموش” و”مرد” و”احمام”، وفي عمان تعرف بـ “الياس”.

أبو سعيد: مهدد بالإنقراض

وأشارت الخبيرة في الانتاج الزراعي الدكتورة ديانا مروش أبي سعيد لـ “أحوال” إلى أنّ “حب الآس من الفصيلة الآسية واسمه العلمي Myrtus، واشتهر كثيراً لدى الفراعنة واليونانيين القدماء، ووُجدت رسوم لفروعه على جدران المقابر الفرعونية”.

وأكدت أبي سعيد أنّ “حب الآس مهدّد بالإنقراض ليس في لبنان وحسب، فهناك أنواع منه مهددة بالإنقراض في الجزائر ودول عدة”، وقالت: “حب الآس يمتص الغبار وثاني أوكسيد الكربون وسائر الملوثات، فضلاً عن أنّه يتحمل الملح فهو يتكاثر قرب البحار لمقاومته للملوحة”، وأشارت إلى أنّ “إنباته سهل، فضلاً عن أنّ الطيور تساهم في نشر بذاره، ويمكن اعتماده كنوع من الزراعات البديلة”.

 

حب الآس والنحل

صاحب موسوعة “دليل أزهار لبنان البرية العاسلة” الباحث عبد الناصر المصري، أشار إلى “أنّنا كنا أول من دق ناقوس الخطر حيال ما يتعرض له حب الآس من تعديّات وعمليات قطف جائر لأغصانه”، وقال: “حب الآس نبتة برية، وهي عبارة عن شجيرات دائمة الخضرة، ثمارها البرية أصغر من ثمار (حب الآس) المدجن، رائحتها مميزة. ويُعتبر حب الآس من النباتات البرية العاسلة التي تدخل في تركيب العسل اللبناني، وهذه الشجيرات موجودة في مختلف المناطق، ولا سيّما في المناطق الرملية (الشحارية)، والمناطق الغنية بالمياه”.

وقال: “يتميز حب الآس بأزهاره العاسلة التي تميّز العسل اللبناني وتزيد من جودته وقيمته الغذائية، إضافة إلى أنّها مصدر غني بحبوب اللقاح”.

أنور عقل ضو

اظهر المزيد

أنور عقل ضو

صحافي في جريدة "السفير" منذ العام 1984 إلى حين توقفها عن الصدور. عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية في لبنان والعالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: