تكنولوجيا

تطبيق Parler: الهروب من القانون نحو حرية التعبير المطلقة

يعانى روّاد مواقع التواصل الاجتماعي من قوانين تحظر حسابتهم وتحدّ من حريتهم؛ وفيما قد يكون الحظر في بعض الأحيان مشروعاً عند الشتم، أو التهجّم، أو التهديد، أو الإساءة للآخرين؛ إلا أنَّ حظر الحسابات مؤقتاً أو نهائياً، أو وضعها في خانة “Shadow Ban”، بسبب نشر صورة تتعلّق بالمقاومة، أو نتيجة لحملات الجيوش الإلكترونية التابعة لسياسيين (كما هي الحال لدى الناشطين اللبنانيين) على تطبيقي فايسبوك وتويتر، يسبّب لا شكّ إنزعاج الكثيرين.

لهذا، بدأ بعض الناشطين بالتحوّل تدريجياً إلى موقع تواصل اجتماعي جديد، أصبح يأخذ حيزاً كبيراً من اهتمام رواد مواقع التواصل. وعزى ناشطون السبب في ذلك، لمساحة الحرية التي تمنحها منصته؛ معلّلين بذلك “تحرّرهم من قضايا أرهقتهم طويلاً وقوّضت حرّيتهم” كالشتم، والتنمّر، والعنصرية؛ والأهم مّما سبق، التهجّم على الكيان الاسرائيلي، وبالتالي نقض حجة ما تفيد به المواقع الحالية “معاداة السامية”. فما هو موقع Parler؟

تطبيق بارليه: التحرّر من القيود

تأسست شركة Parler عام 2018، ومقرّها في ولاية نيفادا في أميركا. مؤسسها هو صاحب نظرية “العمل التحرّري” جون ماتزي. ويصف تطبيق “بارليه” نفسه بأنّه مساحة “تعتمد على حرية التعبير”، وقد ورد في خانة التعريف في موقع الشركة الرسمي: “بعد أن أّصبنا بالإرهاق وتم استنزافنا بظلّ فقدان الشفافية في شركات التكنولوجيا الكبيرة، وفي إطار الرقابة الأيديولوجية وإساءة استخدام الخصوصية، قرّر مؤسسنا جون ماتزي وزميله جاريد تومسون إنشاء حلٍ بديل”.

وأشارت الشركة إلى أنّ هدفها الرئيسي، هو تزويد العالم بأداة تمكّن الجميع أن يأسسوا منفذاً إعلامياً خاصاً بهم، وأن يقوموا بتنقية محتواهم الخاص، لافتة إلى إمكانية المؤثرين والناشرين الرقميين من تعزيز علاماتهم التجارية وحريتهم في خلق المحتوى.

تجدر الإشارة إلى أنَّ التطبيق ذاع صيته مؤخراً في الولايات المتحدة الأميركية، مع بدء السباق في الانتخابات الرئاسية، حيث توجّه إليه العديد من الجمهوريين، بسبب  تعرّضهم لحظر على فايسبوك وتويتر بسبب أرائهم “المتطرفة”. أمّا التسمية الأساسية، فمنشقة من كلمة “parles” بالفرنسية، والتي تعني “تكلّم”.

هذا، وقد شهد التطبيق رواداً من السعوديين في منتصف عام 2019، بسبب حظر تويتر للعديد من الحسابات السعودية.

أبو دية لأحوال: الحرية المطلقة مشكلة في مجتمعنا

وفي هذا الإطار، وعمّا إذا كان للحرية المطلقة إيجابيات في عالم التواصل، اعتبر الإعلامي أمين أبو دية في حديثٍ لـ “أحوال” أنّ الحرية المطلقة بدون قوانين تحمي الناس هي كارثة على المجتمع”؛ محذّراً من خطر ذلك على استقرار المجتمع وتحديداً اللبناني، “حيث أنَّ هذ النوع من الحرية على مواقع التواصل الاجتماعي يوازي القمع وكمّ الأفواه عندما يُساء استخدامه”، لافتاً إلى حملات التخوين والتهديد التي تشنها الجيوش الالكترونية. وتأسّف أبو دية لتحوّل منصات مواقع التواصل الاجتماعي إلى منابر للشتائم والكراهية والتطرّف بدل أن تكون مكاناً لتوسيع نطاق المعرفة.

حدّاد: الدول الحرة تحكم العالم

من جهة أخرى، رأى الإعلامي هشام حداد أنَّ حرية التعبير لا تؤدي إطلاقاً إلى أي تأثير سلبي، معتبراً  أنَّ العالم اليوم يُحكم من الدول الحرة لا القمعية؛ مستدركاً بعدها أنَّ الشتائم ليست حرية. وأضاف أنّه ضد سقف الحرية التي وضعها القانون اللبناني، مؤكداً أنّه من دعاة نقد رئيس الجمهورية ورجال الدين والجيش اللبناني، “فسقف الحرية يضعه الإنسان لنفسه أخلاقياً وليس قانونياً”.

القانون اللبناني والقضايا الإلكترونية

من الناحية الحقوقية، أكدَّ المحامي سعيد نجدي أنَّ القضاء اللبناني، وبسبب غياب التشريعات التي تتناول الجرائم الإلكترونية حصراً، اضطر للتكيّف واعتماد نصوص قانون العقوبات التقليدية، لمحاكمة قضايا جرمية حصلت بالوسائل المستجدة معلوماتياً؛ لافتاً إلى استخدام القضاء بعض المواد القانونية والعمل على تكييفها مع جرائم المعلومات، ومنها:

– المادة 582 عقوبات والمادة 584 عقوبات، بالنسبة للذّم والقدح من قبل الحاصل على شبكة الانتترنت.

– المادة 733 عقوبات بالنسبة لأفعال تخريب التجهيزات المعلوماتية.

– المادتان 454 و471 عقوبات بالنسبة الى البطاقات المصرفية واستعمالها.

وأضاف نجدي أنَّ نصوص قانون العقوبات، الذي تم وضعها في العام 1943 في وقتٍ لم تكن البرامج المعلوماتية معروفة، تبقى عاجزة عن الإحاطة بمختلف أشكال الجرائم المعلوماتية، لا سيما الجرائم التي تقع على الأنظمة والبيانات المعلوماتية. ولفت أنّ القضاء اللبناني عمل جاهداً على محاولة معاقبة الأفعال الجرمية المتعلقة بتكنولوجيا المعلومات، إلا أنّه عجز عن التوسع في تفسير نصوص قانون العقوبات العام تطبيقاً لمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، حيث فسّر النصوص تفسيراً ضيقاً حمايةً للحريات العامة وحقوق الانسان.

إلى ذلك، كشف نجدي عن توفّر قوانين خاصة في لبنان تتضمّن نصوصاً جزائية متعلقة بالمعلوماتية:

– قانون حماية الملكية الأدبية والفنية رقم 75/1999 الذي اعتبر برامج الحاسب الآلي (الكمبيوتر) مشمولة بالحماية بموجب حق المؤلف، وجرّم الاعتداء عليها.

– قانون رقم 140/99 المتعلّق بصون سرية المخابرات التي تجري في أي وسيلة من وسائل الاتصال، والذي تضمّن نصوصاً تعاقب الإعتراض غير المشروع للمخابرات. وقد صنّف القانون المذكور صراحة في المادة الأولى منه البريد الإلكتروني من ضمن المخابرات المُصانة سريتها.

– قانون رقم 431/2002 المتعلّق بتنظيم قطاع خدمات الاتصالات على الأراضي اللبنانية، والذي نظّم كيفية منح تراخيص خدمات الانترنت وقضى بعقوبات على مخالفة أحكامه.

أمّا عن تطبيق “بارليه”، فأكّد نجدي أنَّه حتى لو سمح التطبيق بالشتائم والقدح والذم والتعرض للأخرين، هذا لا يعفي الناشط من أي مساءلة قانونية قد تلحقه وفقاً للقانون اللبناني.

وصلت المجتمعات المتقدمة  إلى مرحلة من الوعي الفكري يستطيع من خلالها المواطن تحمّل مسؤولية الحرية عند التعبير عن رأيه على وسائل التواصل، حيث لن تُثار فيها الفتن ولا تُنصب متاريس الحرب عند انتقاد رمزٍ ما؛  لكن مجتمعاتنا ليست جاهزة لهذه المسؤولية بعد.

 ورغم أنَّ فكرة موقع “بارليه” تبدو جميلة من ناحية الحرية وعدم حظر الحساب، إلا أنّه التطبيق قد يسبب تناحراً بين اللبنانيين.  

محمد شمس الدين

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

محمد شمس الدين

كاتب وناشر على مواقع التواصل الإجتماعي ومعد برامج وتقارير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: