بيئة

البيئة بعد “كورونا”… تحدّيات خطيرة محليًا وعالميًا

كم بدت صغيرة وهشّة إنجازات الإنسان العلمية أمام فيروس لا يُرى بالعين المجردة، لكنّه كان كفيلًا بمحاصرة العالم وتقويض اقتصادات الدول، وإشاعة الخوف والفوضى والإرتباك، حتّى بدا الإنسان عاجزًا، فلم تشفع له الثورة التكنولوجية الحديثة، التي فاقت كل التصورات في عصر “الروبوت”، واكتشاف العالم الخارجي من مجرّات وكواكب جديدة وثقوبًا سوداء وما إلى ذلك من تطور في شتّى الميادين، لا بل فرض الفيروس أنماطًا جديدة من الحياة، فتحوّلت الكمامات ضرورة لا غنى عنها، حتى دخلت مسار الموضة الموقعة من أفخر وأهم دور الأزياء، فضلًا عن التباعد الاجتماعي والحجر الطوعي والإلزامي، فبدا العالم، وسط ما يملك من تكنولوجيا ذكيّة، بحاجة إلى إعادة النظر في أولوياته لصالح البيئة والمناخ، أي احترام قوانين الطبيعة و”أنسنة” الحياة، بعيدًا عن هوس الإستهلاك والخضوع لمغريات الحياة الحديثة.

لن نستفيض أكثر في الحديث عن فيروس كورونا المستجد COVID-19، فالموضوع بحاجة لفسحة أوسع بحثًا ودراسات، لكن ثمّة عبرة في ما يواجه عالمنا اليوم، أقلّها أنَّ الطبيعة “تحاسب” البشر على ما اقترفوه، غير آبهين بديمومة الموارد ولا باحترام النّظم “الإيكولوجية”، وبهذا المعنى نحن لا نواجه فيروسًا شرسًا فحسب، إنما نواجه تبعات اقتصاد السوق و”تسليع” الإنسان لصالح “كارتيلات” المال في الدول الغنية.

تعافي البيئة!

انعكس انتشار جائحة كورونا والإجراءات الإحترازية، وقيود الحجر الصارمة المفروضة في معظم الدول، والتراجع الكبير في حركة النقل برًا وبحرًا وجوًا، وتدنّي الإنتاج الصناعي، إيجابيًا على البيئة، حيث لمس العالم بعضًا من تعافيها، وسط انخفاض الانبعاثات والحدّ من تلوّث الهواء، في حين ضجّت وسائل التواصل الاجتماعي بأخبار توثّق عودة حيوانات مثل الدلافين إلى مضيق البوسفور، وغيرها من مظاهر تعافي الحياة البريّة ولو نسبيًا، حيث تمّ توثيق الظهور اللافت للدلافين بالفيديو في مدينة كالياري/ Cagliari الإيطالية، فعزا الخبراء السبب إلى تعليق خدمات العبّارات إلى البرّ الرئيسي، بينما أصبحت مياه قنوات مدينة البندقية أكثر صفاءً، كما اقتربت كائنات الحياة البرية من المدن والقرى في كافة أنحاء العالم، في صور وفيديوهات موثّقة تناقلتها وسائل الإعلام والتواصل الإجتماعي حول العالم.

أما في لبنان، فقد لاحظ سكان الجبال أن العاصمة بيروت أصبحت مرئية، بعد أن كانت تظلّلها على الدوام غمامة التلوّث، فأخذ الناس يسمعون زقزقة العصافير والطيور، بعد أن خفّ ضجيج المركبات. كما أنه مع تدنّي حركة المرور، وثّق العديد من المواطنين اقتراب الحيوانات البرية من المنازل، لا سيما في القرى، كالضباع والثعالب وغيرهما.

أزمة المناخ مستمرّة

غيّرت أزمة فيروس كورونا الكثير من التوجّهات السياسية والإعلامية، فلم نعد نسمع عن البيئة إلا لمامًا. قبل الأزمة، كانت حركة المناخ تكتسب زخمًا وقوّة، وكانت التحركات، مثل “أيام الجمعة من أجل المستقبل Fridays for Future”، في دائرة الضوء عبر وسائل الإعلام، ولكن مع ظهور الجائحة خَفُتَ الصخب وتناسى الإعلام إلى حدّ كبير الحرائق في أستراليا وفي غابات الأمازون وكاليفورنيا.

وفق ما توقّعه الباحثون قبل جائحة COVID-19، فإن الإنخفاض في النشاط الاقتصادي قد يساعد في تقليل الاحتباس الحراري وكذلك تلوث الهواء والبحر، ممّا قد يسمح للبيئة بالازدهار ببطء. ولوحظ هذا التأثير في أعقاب الأوبئة الماضية في القرن الرابع عشر في أوراسيا، ومن القرن السادس عشر إلى القرن السابع عشر في أميركا الشمالية والجنوبية.

وقد تسبّبت القيود المفروضة مع بداية الجائحة إلى انخفاض في انبعاثات الكربون، وأظهرت صور الأقمار الصناعية في أوروبا أن انبعاثات ثاني أوكسيد النيتروجين (NO2)، وهو أحد معايير التلوّث، أصبحت أقلّ بكثير فوق شمال إيطاليا وإسبانيا، كما أنه في باريس أصبح الهواء نظيفًا كما كان قبل 40 عامًا.

من جهة أخرى، تمّت مقارنة صور الأقمار الصناعية قبل وبعد إغلاق الحدود، فأكّدت الدراسات أن جودة الهواء في أوروبا قد تغيّرت بشكل كبير، حيث قال رئيس التحالف الأوروبي للصحة العامة بشأن جودة الهواء، زولتان ماساي-كوسوبيك: “نعتقد أن السبب في ذلك هو الإنخفاض الكبير في استخدام وسائل النقل”.

ثمانية مشاريع لـ NASA

حصل ثمانية باحثين مؤخرًا على منحة متعلّقة بمشاريع “التحوّل السريع” من قبل “الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء NASA”، بهدف دعم الباحثين أثناء استكشافهم لكيفية تأثير إجراءات COVID-19 على البيئة، وكيفية تأثير البيئة على انتشار الفيروس، واستخدام بيانات مراقبة الأرض لفهم التأثيرات البيئية والاقتصادية والاجتماعية بشكل أفضل لوباء COVID-19.

وتتضمّن ستّة من هذه المشاريع متابعة صور الأقمار الصناعية بهدف الكشف عن كيفية تأثير تدابير الإغلاق على الأمن الغذائي، وبيئة الحرائق، والحرارة السطحية الحضرية، والغيوم والاحترار، وتلوّث الهواء وهطول الأمطار، وجودة المياه والنّظم الإيكولوجية المائية، ويستكشف المشروعان الأخيران كيفية تأثير البيئة على انتشار الفيروس من خلال مراقبة الغبار والطقس.

نتائج وآثار صحية

كشفت إحدى الدراسات أن التحسّن في جودة الهواء خلال الشهر الأخير من الإغلاق بسبب الفيروس، قد نتج عنه 11 ألف حالة وفاة أقل بسبب التلوّث في المملكة المتحدة وأماكن أخرى في أوروبا، وأدّت الانخفاضات الحادّة في حركة المرور على الطرق والانبعاثات الصناعية أيضًا، إلى خفض معاناة 6 آلاف طفل من الربو، وتجنّب 1900 شخص زيارة غرف الطوارئ، فضلًا عن تجنّب 600 حالة ولادة مبكرة، وفقًا للمركز الفنلندي لأبحاث الطاقة والهواء النظيف.

في المقابل، أظهرت دراسة أخرى في الأشهر الأولى من الإغلاق، أن مستويات ثاني أوكسيد النيتروجين قد انخفضت بنسبة 40 بالمئة، بينما الجسيمات الدقيقة – المعروفة باسم PM2.5 – انخفضت بنسبة 10 بالمئة. هذان النوعان من معايير التلوّث يؤثّران على القلب والجهاز التنفسي، وعادة ما يكونان مسؤولَين عن حوالي 470 ألف حالة وفاة في أوروبا كل عام، إذ نشأ هذا التأثير على خلفية انخفاض إنتاج الطاقة من الفحم بنسبة 37 بالمئة، وانخفاض استهلاك النفط بنحو الثلث.

بالطبع، لم تكن هذه الإنجازات طويلة الأمد، فعندما استؤنفت الرحلات الجوية ومع عودة الشركات إلى العمل وعودة حركة المرور إلى الشوارع، عاد كل شيء إلى المربع الأول. ولكن أزمة المناخ مستمرّة، وهي تمثّل حالة طوارئ وفق تقرير “الصندوق العالمي للحياة البرية “، تحت عنوان “الكوكب الحي لعام 2020 WWF Living Planet Report”.

تقرير WWF

توازيًا، دعا تقرير الصندوق WWF لقيام مبادرة من قادة العالم للعمل معًا من أجل بناء عالم أكثر استدامة ومرونة وصحة بعد COVID-19 للناس والطبيعة، وهو ما اتُفق على تسميته بالإتفاق الجديد New Deal. ويقدّم التقرير دليلًا لا لبس فيه، أنه مع تحدّي الجائحة، فإن الطبيعة لا زالت في وضع “طوارئ”، وأن التّغيرات البيئية لها وقعًا كارثيًا، ليس على مجموعات الحياة البريّة فحسب، ولكن أيضًا على صحّة الإنسان وكافة جوانب حياتنا، كما ويضع مستقبل ما يقرب من 8 مليارات شخص على حافة الخطر.

وقدّم هذا التقرير الأدلّة، على أنه منذ الثورة الصناعية، ومع تزايد الأنشطة البشرية والتغيّر في استخدام الأراضي لجهة تدمير وتدهور حالة الغابات والأراضي العشبية والأراضي الرطبة والنظم البيئية الهامة وغيرها، أصبح خمسة وسبعون بالمئة من سطح الأرض بالفعل خالٍ من الجليد، وتلوّثت معظم المحيطات والمسطّحات المائية، وأكثر من 85 بالمئة من مساحة الأراضي الرطبة قد فُقدت.

ويُظهر مؤشر “الكوكب الحي العالمي The Living Planet Index”، متوسّط انخفاض في التنوع البيولوجي في المملكة الحيوانية بمعدل 68 بالمئة، وهذا الانخفاض بنسبة 94 بالمئة في المناطق المجاورة لخط الاستواء في الأميركيتين.

لبنان

كما في العالم، برزت أيضًا عوامل جديدة تهدّد البيئة في لبنان، فضلًا عن الأزمات المتلاحقة التي يعاني منها البلد. فقد أضاف انفجار مرفأ بيروت والوباء، إلى أزمة النفايات المزمنة، عوامل ملوّثة جديدة تمثّلت بالرّدم الناتج عن الإنفجار، فضلًا عن نفايات الوباء المستحدثة من كمامات وقفازات وغيرها من الأدوات الطبية التي لوّثت المياه والتربة والمكبّات بنفايات من نوع جديد، والأخيرة نفايات مستحدثة في كافة مناطق العالم الـ 126 التي وصل إليها الفيروس وتسبّب بوفاة أكثر من مليون شخص وإصابة أكثر من 35 مليون، فضلاً عن عواقب وخيمة على الإقتصاد والمجتمع.

ومع التلوّث المناخي المرافق، بقيت الحكومات المتعاقبة عاجزة عن حلّ هذه المشكلة الحالية وسابقاتها، سواء لجهة عشوائية الكسارات والمقالع ومصانع الإسمنت ومشاريع السدود الفاشلة، وتلوّث المياه وأزمة الصرف الصحي، والحرائق التي اجتاحت غابات الأرز في الشمال، وهي غابات كانت عصيّة على هذا النوع من الحرائق ومن الصعوبة بمكان استعادتها وفق ما أكده مدير برنامج الأراضي والموارد الطبيعية في معهد الدراسات البيئية في جامعة البلمند، الدكتور جورج متري لـ “أحوال”، في مقال سابق، وغيرها من التهديدات للبيئة والتنوع البيولوجي.

حيال هذا الواقع، وكون الوباء مستجدًا، وبالإضافة إلى ندرة الدراسات الآنيّة المحليّة لتداعيات هذا الوباء على البيئة، ومع غياب التخطيط البيئي والتنموي السليم، فمن المنطقي أن الوضع البيئي في لبنان سائر نحو التدهور، ما ينعكس على التنوع البيولوجي الفريد الذي يتميّز به البلد، وعلى رفاهية الإنسان وحياته ومستقبل الأجيال القادمة.

سوزان أبو سعيد ضو

اظهر المزيد

سوزان أبو سعيد ضو

ناشطة وصحافية لبنانية. مجازة في التحاليل البيولوجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: