مجتمعمنوعاتميديا وفنون

“كبرياء ريشتي” للشاعر عرنوس: اللغة البسيطة في خدمة الأفكار الكبيرة

بعنوان “كبرياء ريشتي” أصدر الشاعر شادي عمر عرنوس ديوانه الأول، الذي يحمل في طياته الكثير الكثير من الصور الشعرية العميقة وباقة من الأفكار الجميلة.
في هذا الديوان الصادر عن دار الهدى – الرياض، تترقرق كلمات الشاعر بسلاسة عفوية معبراً في نحو عشرين قصيدة عن مختلف الحالات النفسية البشرية من فرح وسرور وألم وحب وصداقة وشوق وروحانيات عابرة.
الشاعر شادي عمر عرنوس يحمل الجنسية السورية، وهو خريج كلية العلوم في جامعة دمشق، ويعملُ مُدرِّساً لمادة الرياضيات في إحدى مدارس السعودية العالمية، ويمكن أن تقرأ بين كلماته وسطوره ما يعكس أفكاره العلمية أو مأوجية عمله اليومي.
في قصائده الحرة المتفلتة من الشعر العامودي ولكنها مفعمة بالصور الشاعرية ويكثر من استخدام المصطلحات اللغوية من جناس وطباق وتشابيه وغيرها من أساليب تظهير الأفكار وتقديمها للقارئ بشكلٍ وقالب جميل.
يصر الشاعر على التعريف عن ذاته بأنه أستاذ مادة الرياضيات “العلمية” وقد لجأ إلى عالم الشعر كي يعبر عن لواعج وحالات نفسية إنسانية عامة، ويؤكد تكراراً أن هواياته المفضلة: الشعر والكتابة، وهذا ما يعبر عن عادة رواد العاملين في المواد العلمية الجافة باللجوء إلى عالم الشعر الممزوج والمليء بالخيال الحيوي اللطيف.
الشاعر الذي تفتحَّت قريحته الشعرية مذ كانَ طالبًا في المدرسة الابتدائية، وقد كانت التشابيه والصور الجميلة والعواطف تُثير اهتمامه كثيراً في القصائد، كما كان للمدرسين أثرٌ كبيرٌ في ترغيبه في محبةِ الشعرِ وتشجيعه على الكتابة، وكانت له بعض المحاولات القليلة في الكتابة في أثناء الدراسة، ثم انطلقَ يكتبُ أكثر خلالَ المرحلة الجامعية، وبعد تخرُّجه.
واللافت عند عرنوس أن يترافق إصداره المكتوب بديوان ورقي أنيق مع مواكبة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بصوت الشاعر مترافقة مع فيديوهات معبرة وموسيقى راقية سلسة تخترق المشاعر والأحاسيس وتطرق أبواب القلوب على طريقة الشعراء الذين يدخلون القلوب دون استئذان.
في هذا الديوان الأول يمكن وضع ملاحظات عديدة من حيث الشكل والمضمون، ويمكن القول إن الشاعر هنا قد أخطأ وهناك كان ضعيفاً أو غيرها من الملاحظات ولكن
هل بدأ الشعراء بالكتابة من القمة؟ هل كل الأسماء السابقة قد انطلقت دون تلكؤ بلغة متمكنة وصلبة أم لكلٍ منهم كوته وصعوده ونزوله؟ انطلاقاً من هذه القاعدة يمكن وصف ديوان “كبرياء ريشتي” للشاعر شادي عرنوس بأنه محاولة ناجحة لا بل تجربة جديرة بالتشجيع والدعم والكتابة عنها كي نرتقي بالشعر والأدب والثقافة من خلال هذه الأسماء الواعدة، أسماء تجاوزت الحدود الجغرافية والبيئات الضيقة نحو أفق عربي كبير واسع ذات أبعاد إنسانية أخلاقية واعدة.
ديوان “كبرياء ريشتي” الأول للشاعر شادي عمر عرنوس من القطع الوسط وبنحو 119 صفحة ويتكوّن من عشرين قصيدة على طريقةِ الشعرِ الحديث، وهو صادر عن دار الهدى – الرياض السعودية، بغلاف نافر أنيق من تصميم مالك الغصين، وتترافق الصفحات مع رسومات وصور معبّرة عن حالات ومناخات القصائد.
ولا ينسى الشاعر أن يعدنا بالعمل على إنجاز ديوانه الثاني أيضاً، لعل في المحاولات الدائمة نجاحاً وتقدماً من أجل لغة أفضل وثقافة أرقى واقتراب أكثر من إنسانيتنا.
أخيراً ليس أفضل من مقدمة الشاعر للكتاب بما تحمل من رموز وإشارات هادفة، إذ يقول:
فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ، يَقْتَرِبُ مِنِّي طَائِرٌ غَرِيبٌ عَجِيبٌ، يَقْتَرِبُ أَكْثَرَ، وَيَهْمِسُ فِي أُذُنِي “لَا أُرِيدُ لِلأَشْجَارِ وَالأَغْصَانِ وَهُدُوءِ اللَّيلِ والفَرَاشَاتِ النَّائِمَةِ أَنْ تَسْمَعَ حَدِيثِي إِلَيْكَ، هَيَّا اعْتَلِ ظَهْرِي فَهُنَاكَ رِحْلَةٌ طَوِيلَةٌ بِانْتِظَارِنَا”.
اعْتَلَيْتُ ظَهْرَ هَذَا الطَّائِرِ الغَرِيبِ، ثُمَّ بَدَأَ يُرَفْرِفُ بِأَجْنِحَتِهِ الذَّهَبِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ تَقْطُرُ لُؤْلُؤًا مَا رَأَتْ عَيْنَايَ قَطُّ مِثْلَ سِحْرِهِ وَأَنَاقَتِهِ، وَعِنْدَمَا سَأَلْتُهُ عَنْ سِرِّ ذَلِكَ اللُؤْلُؤِ البَاهِرِ، أَجَابَنِي مُبْتَسِمًا إِنَّهُ مِنْ بَسْمَةِ صَيْدَلَانِيِّةٍ نَفَثَتْ عَلَى أَجْنِحَتِي فَصَارَتْ تَقْطُرُ لُؤْلُؤًا، ثُمَّ لَمَسَتْ أَجْنِحَتِي فَغَدَتْ ذَهَبِيَّةً كَمَا تَرَاهَا الآنَ.
سَنَرْحَلُ الآنَ إِلَى جَزِيرَةٍ بَقِيَتْ دُهُورًا عَدِيدَةً، مَرِيضَةً سَقِيمَةً تَسْتَغِيثُ عَبْرَ بِحَارِهَا الجَافَّةِ، وَأَعْشَابِهَا المَخْنُوقَةِ، وَرِمَالِ شَوَاطِئِهَا البَاكِيَةِ، وَأَمْوَاجِهَا المُضْطَّرِبَةِ، وَطُيُورِهَا الصَّامِتَةِ الكَئِيبَةِ، تَسْتَغِيثُ دُونَ جَدْوَى، دُونَ أَمَلٍ. إِلَى أَنْ وَصَلَتْ تِلْكَ النِّدَاءَاتُ إِلَى مَسَامِعِ هَذِهِ الصَّيْدَلَانِيَّةِ الّتِي انْطَلَقَتْ تُدَاوِي هَذِهِ الجَزِيرَةَ الجَرِيحَةَ الّتِي سَتَرَاهَا كَيْفَ غَدَتْ آيَةً فِي جَمَالِهَا لَا مَثِيلَ لِبَرِيقِهَا أَبَدًا.
وَعِنْدَمَا وَصَلْنَا تِلْكَ الجَزِيرَةَ الّتِي حَسِبْتُهَا جَنَّةً مِنْ ذُهُولِ مَا رَأَتْ عَيْنَايَ المُتَسَمِّرَتَانِ انْدِهَاشًا، وبَرِيقُ أَعْشَابِهَا النَّضِرَةِ، وَرَقْصَةُ رِمَالِ شَوَاطِئِهَا ، وَمِنْ رَوْعَةِ مَا سَمِعَتْ أُذُنَايَ مِنْ تَغَارِيدِ طُيُورِهَا ِالفَرِيدَةِ، وَأَلْحَانِ أشْجَارِهَا العَجِيبَةِ ، اسْتَقْبَلَنِي بَحْرُهَا المُذْهِلُ مُبْتَسِمًا مُنْشِدًا “مَرْحَبًا بِمَنْ أَقْبَلَ وَأَتَى، أَهْلًا بِكَ فِي عَالَمِي الجَمِيلِ” ثُمَّ ضَمَّنِي البَحْرُ بِشِدَّةٍ حَتَّى بِتُّ أَنْتَمِي لِأَمْوَاجِهِ الزَّرْقَاءَ وَالخَضْرَاءَ وَالوَرْدِيَّةَ المُحَيِّرَةَ.
لَا جَمَالَ يُقَارَنُ بِجَمَالِ هَذِهِ الأَمْوَاجِ أَبَدًا، وَكَأَنِّي فِي كَوْكَبٍ آخَرَ. أَبْحَرْتُ عَمِيقًا فِي عَالَمِ هَذِهِ الأَمْوَاجِ وَعِشْتُ جَمِيعَ أَجْوَائِهَا السَّعِيدَةِ والحَزِينَةِ حَتَّى بَدَأَتْ حُرُوفِي وَكَلِمَاتِي تَنْهَالُ عَبْرَ تِلْكَ الأَمْوَاجِ الرَّائِعَةِ.
وَذَلِكَ الطَّائِرُ العَجِيبُ ذُو الأّجْنِحَةِ الذَّهَبِيَّةِ يَعْزِفُ عَلَى شَوَاطِئِ ذَلِكَ البَحْرِ مُفْرَدَاتِي الهَنِيَّةَ وَالشَّقِيَّةَ، حَتَّى أَصْبَحَتْ تِلْكَ الجَزِيرَةُ المُعْجِزَةُ تَتَغَنَّى بِكَلِمِاتِي رَاقِصَةً َتَارَةً وَبَاكِيَةً تَارَةً أُخْرَى.

عامر ملاعب

كاتب وصحافي لبناني، يحمل شهادة الدبلوم في التاريخ من الجامعة اللبنانية، عمل في صحيفتي الأخبار والحياة. أعد وقدم برامج في قناة الثبات الفضائية، وإذاعة صوت الشعب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى