رياضة

رفع الأثقال اللبنانية.. “معاناة مستمرّة بعد العزّ الذي عرفته”

لطالما كانت رفع الأثقال إحدى ركائز الرياضة اللبنانية في المحافل الدولية، خصوصًا من ناحية حصد الميداليات الملونة على أنواعها.

فمن منا لا يذكر الميدالية الفضية الغالية التي انتزعها الرباع الراحل محمد خير الطرابلسي في أولمبياد ميونيخ عام 1972، والتي تُعتبر إحدى أغلى الإنجازات في تاريخ لبنان، إلى جانب العديد من الميداليات التي حصدها الرباعون اللبنانيون في السبعينيات والثمانينات على وجه الخصوص؛ إذ كان هناك جيل ذهبي قوامه رائف فتوني وحسن المقدم وعصام الحمصي وخالد مقلد ومحمد خير الطرابلسي ومحمود طرحة وجمال الطرابلسي وحسان القيسي وسواهم، وفي ما بعد الرباع حسنين مقلد الذي أبهر الجميع حين رفع 262 كلغ في حصة تدريبية لكنه ابتعد عن لبنان ودافع عن ألوان قطر سعيًا وراء عيش كريم.

الرباع الأولمبي محمد خير طرابلسي أثناء حصة تدريبية في نادي الصحة والقوة
الرباع الأولمبي محمد خير طرابلسي أثناء حصة تدريبية في نادي الصحة والقوة

“أحوال” التقت رئيس اتحاد رفع الأثقال الحالي ومدرب المنتخب وصانع الأبطال في الفترة الذهبية المذكورة، سهيل قيسي، الذي قال إن اللعبة أُسست عام 1937 على يد محمود القيسي “أبو بشير” من خلال “نادي الشبيبة الرياضي” الذي يقع خلف المحكمة العسكرية في محلة رأس النبع، وكان يضم عامذاك 3 ألعاب وهي المصارعة والملاكمة ورفع الأثقال، وجاءت باكورة الإنتصارات العالمية من خلال المصارع زكريا شهاب الذي أحرز فضية أولمبياد هلسنكي عام 1952.

ويروي القيسي لـ”أحوال” كيف تحول إلى التدريب والإشراف على الأبطال، وذلك عقب مشاركته لاعبًا ضمن المنتخب الوطني في دورة ألعاب البحر المتوسط في الجزائر عام 1975 وتعرضه لإصابة في وتر الركبة، حرمته من أي مشاركة مستقبلية قادمة، فقرر أن يتحول إلى التدريب. ولهذه الغاية زار الاتحاد السوفياتي وتلقى دورات تدريبية وحصل على بعض “أسرار المهنة”، وبدأ مع كوكبة صغيرة من الرباعين العمل بجهد تحت سقف نادي “الصحة والقوة” في منطقة عائشة بكار، وتُوجت رحلة الألف ميل إلى انتصارات مشعّة وميداليات ملونة في دورات الألعاب العربية ولاسيما في دورة عام 1985 التي أُقيمت في المغرب؛ ودورتَي الألعاب الآسيوية في بانكوك عام 1978 وسيول عام 1986، ودورة ألعاب البحر المتوسط في اللاذقية عام 1987 إلى باقي الدورات الودية؛ ويومها كان الجميع ينظر بعين الاحترام للمنتخب اللبناني مجتمعًا وليس لفرد واحد، وكان يُحسب له حسابًا لأنه كان رقمًا صعبًا ومنافسًا في “قلب المعركة” على المراكز الأولى.

من هنا، يشير القيسي إلى أن تكاليف المشاركات آنذاك كانت من جيوب أصحاب الأيادي البيضاء وكل محب لهذه الرياضة ومن جيبي الخاص، فالمساعدات التي يتلقاها الاتحاد من وزارة الشباب والرياضة لم تكن تكفي ولا “تسمن أو تغني من جوع”، أو انها لا تصرف في مكانها الصحيح.

الرباع حسان القيسي
الرباع حسان القيسي

وبعد تقدم غالبية الأبطال في العمر ووفاة آخرين، أصبحت المشاركة الجدية مقتصرة على فئة “الماسترز” التي تختص بالأعمار المتقدمة، أي 35 سنة وما فوق، وهي لا تندرج في خانة الألعاب الأولمبية ولكنها تعود بالذهب على لبنان، وكانت آخر ميدالية قد تحققت العام الماضي عن طريق الرباع خالد عليوان في سان دييغو في الولايات المتحدة.

الجدير ذكره، ان الاتحاد الدولي لرفع الأثقال قد استحدث هذه الفئة في الثمانينيات بعد حالات الانتحار التي طالت العديد من الأبطال الذين تقدم بهم العمر، كونهم لم يعودوا قادرين على حمل الأوزان الثقيلة ومنافسة الأجيال الجديدة في المحافل الدولية.

الرباع حسنين مقلد صاحب رفعة 262 كلغ
الرباع حسنين مقلد صاحب رفعة 262 كلغ

من جهته يقول الرباع الأولمبي حسان القيسي ومدرب الفئات العمرية حاليا في المنتخب اللبناني لـ”أحوال”: “إن ضعف الامكانيات المتاحة تحد من المشاركة في البطولات القارية والتواجد على منصات التتويج عن ذي قبل، فأعضاء الاتحاد بشكل عام غير متفرغين ولا يقبضون رواتب شهرية، لأن النظام العام لوزارة الشباب والرياضة يعتبر اللاعب هاوٍ، ولا يحق له المطالبة بأجر مادي بدلًا عن ممارسته الرياضة”، مضيفًا: “المشاركات مقتصرة حاليًا على فئة الماسترز عبر خضر عليوان وأيمن حوماني وعدنان جليلاتي، وأتذكر جيدًا ما كان يحصل في الماضي وما وصلنا إليه الآن؛ فعلى سبيل المثال، أحرز المرحوم خالد مقلد المركز الرابع في بطولة العالم للناشئين في إيطاليا مطلع الثمانينات، كما كانت للرباع محمد خير الطرابلسي أرقامًا قياسية في بطولة العالم للناشئين قبل عام 1972، ولكن جيل اليوم غير قادر على تحمل أعباء السفر والمشاركة في الدورات الأولمبية والاسيوية، فالأمر يتطلب المال وللأسف المال غير موجود ولا يمكن لأي رياضي أن يقتطع من راتب وظيفته ليسافر على حسابه، كما أن ميزانية وزارة الشباب والرياضة هي الأقل بين باقي الوزارات، أضف إلى ذلك المحاصصة بين الأعضاء أو صرف الأموال في غير محلها، وإما توزيعها على فئة معينة من اتحادات الألعاب الجماعية”.

الرباعان خالد المقلد وعصام حمصي في افتتاح أولمبياد لوس انجلس 1984

يُذكر أن حسان شارك للمرة الأولى خارجيًا ضمن البعثة إلى الدورة العربية في المغرب عام 1985، فاحتك بالأبطال واكتسب الخبرة منهم. وفي العام 1987 حقق ثلاث ميداليات ذهبية في البطولة العربية في سوريا؛ وفي دورة المتوسط التي أُقيمت في اللاذقية في العام نفسه، حلّ رابعًا وأضاع فرصة إحراز الميدالية البرونزية؛ كما كانت له محطات مضيئة عديدة في البطولات المحلية والعالمية.

واقعٌ مؤلم بلا شك، ولكن لا حلول قريبة في ظل أوضاع صعبة تمر بها البلاد بشكل عام، وهذا يصيب الجسم الرياضي بمقتل، ويؤخّر ازدهار النشاط برمته وقد يقضي على أحلام الشباب.

البعثة اللبنانية في بانكوك 78 ويبدو الرباعون من اليسار حسن مقدم ورائف فتوني ومحمد خير طرابلسي

سامر الحلبي

اظهر المزيد

سامر الحلبي

صحافي لبناني يختص بالشأن الرياضي. عمل في العديد من الصحف والقنوات اللبنانية والعربية وفي موقع "الجزيرة الرياضية" في قطر، ومسؤولاً للقسم الرياضي في جريدتي "الصوت" و"الصباح" الكويتيتين، ومراسلاً لمجلة "دون بالون" الإسبانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: