ميديا وفنون

بعد عام على رحيل سيمون أسمر… صانع النجوم طوى ذكراه النسيان سريعاً

مرّت الذّكرى السّنوية الأولى لرحيل المخرج سيمون أسمر مرور الكرام، لم تفرد له محطّات التلفزيون تقارير تذكر، كذلك فعلت الصحافة المكتوبة… لم يذكره الفنّانون على مواقع التواصل الاجتماعي… طوى النّسيان المخرج الكبير الذي قدّم للساحة الفنّية أهم الاكتشافات من نجوم مرّوا عبر “ليالي لبنان” وبعده “استديو الفن”، لكنّهم اليوم لم يكرّموا “المعلم الكبير” ولو بكلمة وفاء وتقدير.
فالوضع اليوم في لبنان حيث تراكمت الهموم على الهموم جعل ذكرى رحيل المخرج الكبير تمرّ مرور الكرام، خصوصاً أنّها تزامنت مع حريق المرفأ الثاني، وهلع اللبنانيين من انفجار جديد، يقضي على ما تبقّى من مدينة بالكاد تقف على قدميها.
قبل سنة، غادرنا سيمون أسمر بعد رحلة مع المرض، كانت قد بدأ منذ سنوات، كان خلالها مصراً على البقاء في الضّوء، وعلى تقديم برامج جديدة، بعد أن تيقّن أنّ مشروع “ستوديو الفن” أصبح خارج الزّمن، وأنّ الدّورة الأخيرة التي قدّمها عبر شاشة MTV عام 2010 لم يكتب لها النّجاح، لأسباب تتعلّق بتغيّر المعايير، فقرّر إغلاق مشروعه، ليبقى ذكرى ناصعة البياض في تاريخ الفن اللبناني، رغم كل ما قيل عن علاقة الفنانين بمكتب ستوديو الفن، وأنّ هذا الأخير كان يوقّع معهم عقود احتكار، وكان يقنّن ظهورهم الإعلامي، ويعدّ عليهم أنفاسهم، لتثبت السّاحة بعد انحسار اسم الأسمر كأهم صانع نجوم، أنّ أهم الفنانين يحتاجون إلى من يعدّ عليهم أنفاسهم، كي لا نشاهد ما نشاهده اليوم من “تخبيص” ومن خطوات متعثّرة، وظهور إعلامي وعلى مواقع التواصل أحرق حتى من ظنّ أنّ صورته عصيّة على الاحتراق.

تمرّ الذّكرى ولبنان يعيش احتضاراً من نوع آخر، في ذكرى مئويّته الأولى.
لم يعد ثمّة حفلات، فقبل وصول “كورونا” إلينا في العام الماضي، كانت مهرجانات لبنان قد أعدّت نفسها لفكرة أنّ لا حفلات هذا العام، فالميزانيّة التي كانت تصرفها وزارة السياحة بسخاء على مهرجانات زوجات السّياسيين تقلّصت، كانت ستريدا جعجع قد سبقت الجميع وأعلنت من الخريف الماضي أنّ مهرجانات الأرز الدولية لن تبصر النّور في صيف 2020، ليأتي “كورونا” ويجعل من التذرّع بالأزمة الاقتصادية لزوم ما لا يلزم.

لم تلغَ الحفلات في لبنان فحسب بل في العالم ككل، جلس الفنانون للمرّة الأولى عاطلين عن العمل، يراجع بعضهم حساباته، وبعضهم الآخر يندب حظّه وأنّ موسماً كان من المقرّر أن يكون حافلاً لم يكن كذلك، وأنّ هذه الأزمة الصحيّة لا يُعرف لها سقفٌ زمنيُ… الفنانون عاطلون عن العمل، بعضهم شارك في همروجة الحفلات أونلاين، حفلات أراد من خلالها في بداية الحجر المنزلي الظهور عبر مواقع التّواصل الاجتماعي كي لا يطويه النّسيان في زمن بات فيه الهمّ الصحّي يتربّع على عرش الهموم، ثمّ جاءت شركات الإنتاج والمنصّات المدفوعة لتستثمر في الحفلات الأونلاين، فكسب الفنانون بعض المال، لكن المفهوم كلّه فشل، فمن هو المواطن الذي سيجلس أمام شاشة كومبيوتر ليشاهد فناناً يغنّي على الأرجح “بلاي باك”، وهو الذي كلما فتح مواقع التواصل يصطدم بتغريدة من هنا ومقطع فيديو من هنا ومقابلة من هناك للفنان المذكور؟

انحسرت هذه الحفلات سريعاً كما انطلقت، ولو كان سيمون أسمر على قيد الحياة، لكان قد أدلى بدلوه في هذه الظّاهرة، ماذا كان ليقول؟ هو وحده يعرف، لكنّه مخرج صاحب رؤية، يجيد لعبة خطف الأضواء حين يجب أن تُخطف، وحجبها حين يجب أن تُحجب، كان ربّما ليقول لهم احتجبوا، فلا كلمة تعلو اليوم فوق كلمة “كورونا” و”دولار” و”غلاء” وأزمة اقتصادية تهوي بنا وتهوي ولا نصل إلى القعر.

عاطلون عن العمل لكنّ أحداً منهم لم يذكر الأسمر بكلمة، يُحسب لمن تعمّد تجاهل الذّكرى لخلاف سابق أنّه صادق لا يصطاد مواقف وأنّه عفى الله عمّا مضى ليحصد تصفيقاً، ويُعذر لمن نسي أنّ ثمّة هموم تشغلنا حتّى عن الأمور التي كنّا نعتبرها أولويّة، أما الجمهور، فهذا لا حول له ولا قوّة، أدرك في قمّة الضّعف أنّ كل هالات النّجومية تسقط عندما يسقط الوطن، وأنّ ما صنعه الأسمر كان لزمن الرفاهية، وأنّ قلّة من الفنانين فقط أدركت أنّ الفن ليس رفاهية فحسب، لكنّها ضاعت بين أكثرية لم تعد تؤخذ على محمل الجد.

في ظهوره الأخير عبر “ديو المشاهير” بدا الأسمر وكأنّه يضرب عرض الحائط كل ما علّمه لفنانيه، أن يحسبوا لظهورهم ألف حساب، وأن ينسحبوا حين يخفت بريقهم لمراجعة حساباتهم، بدا حضوره مستفزاً، تعليقاته أشبه بتلك التي تكتبها حسابات وهميّة متنمّرة على مواقع التواصل الاجتماعي، كنّا نتمنى ألا يختم حياته المهنيّة بظهور كهذا، كان يحضّر لمشاريع جديدة لم تبصر النّور، فأسدل السّتار على مسيرة عمرها عقود، أثمرت نجوماً يصارعون اليوم للبقاء، بينما هو يرقد بسلام حتى لو لم يذكره نجومه في الذّكرى الأولى لرحيله.

إيمان إبراهيم

 

اظهر المزيد

إيمان إبراهيم

صحافية لبنانية، خريجة كلية الإعلام والتوثيق في الجامعة اللبنانية كتبت في شؤون السياسة والمجتمع والفن والثقافة شاركت في إعداد العديد من البرامج الاجتماعية والفنية في اكثر من محطة تلفزيونية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: