من الملكة زنوبيا الى “نساء خادمات”.. سلطة الجولاني تشوّه صورة ودور المرأة السورية

“وصلتوا لمرحلة تبيعوا نسوانكم ليشتغلوا خادمات؟… بعد ما انتصرتوا صارت ثورة عار؟” بهذه الكلمات افتتحت الكاتبة السعودية د. منى عبد الرحمن مقالها، في تعبير صادم يلخص حجم التحول الذي أصاب صورة المرأة السورية في ظل سلطة الجولاني .
التساؤل لم يأتِ من فراغ. فقد روّج إعلام السلطة مؤخراً لما وصفه بـ”اتفاق” مع مسؤولين سعوديين لاستقدام أعداد كبيرة من العاملات السوريات إلى المملكة، باعتباره إنجازاً اقتصادياً.
غير أن الخطوة أثارت موجة انتقادات واسعة، رأت فيها شرائح سورية انتقاصاً من كرامة المرأة وتحويلاً لمعاناتها إلى سلعة في سوق العمل الإقليمي، وسط خطاب ديني متشدد يقيّد حضورها العام في الداخل، ثم يدفع بها إلى أعمال هامشية في الخارج تحت مسميات مهنية.
الجدل تصاعد بعد تحذير الكاتبة السعودية زينب علي البحراني من مشروع استقدام سوريات للعمل كخادمات، واعتباره تهديداً للاستقرار الأسري، مستشهدة بما سمّته “المأساة المصرية” في إشارة إلى أوضاع لاجئات سوريات في مصر، وما رافقها من حملات تشويه واتهامات أخلاقية واجتماعية.
تصريحات البحراني، بما حملته من تعميمات قاسية، أعادت فتح النقاش حول صورة المرأة السورية في الخارج، بين واقع اللجوء القاسي وخطابات التحريض والتنميط.
المفارقة أن هذا المشهد يأتي بعد تاريخ طويل للمرأة السورية في القيادة والعمل العام.
من الملكة زنوبيا التي قادت مملكة تدمر في القرن الثالث الميلادي، إلى نازك العابد التي شاركت في معركة ميسلون وأسست الهلال الأحمر السوري ، مروراً بماري عجمي التي أطلقت أول مجلة نسائية عام 1910، ووصولاً إلى حصول السوريات على حق الانتخاب والترشح في خمسينيات القرن الماضي، وتقدمهن في مجالات الطب والقضاء والدبلوماسية والبرلمان، تاريخ حافل جعل المرأة السورية من بين الرائدات في المنطقة العربية.
غير أن الوقائع خلال العامين الأخيرين تشير إلى تحوّل عميق في موقع ودور المرأة داخل البنية الاجتماعية التي ترعاها السلطة الحالية، فمع تصاعد الخطاب السلفي الجهادي، تقلّص حضور النساء في الفضاء العام، واشتدت القيود الاجتماعية، في وقت يجري فيه تسويق خروجهن للعمل المنزلي في الخارج كحل اقتصادي.
هذا التناقض بين التضييق الداخلي والتصدير الخارجي يعكس أزمة رؤية لدور المرأة ومكانتها.
بين إرث تاريخي صنعته نساء تركن بصمات في السياسة والثقافة والطب، وواقع جديد تُختزل فيه المرأة في أدوار ضيقة أو في سوق عمل هش ، تقف صورة السورية اليوم أمام منعطف حاد. والسؤال الذي تطرحه الوقائع لا يتعلق فقط بفرص العمل، بل بمفهوم الكرامة والمكانة الاجتماعية، وبالمسار الذي تُدفع إليه النساء في ظل سلطة أعادت تعريف أدوارهن على أسس أيديولوجية صارمة، بينما يراقب المجتمع تحوّلاً غير مسبوق في واحدة من أقدم صور الحضور النسائي في المنطقة.



