مجتمع

العلم في زمن العتمة: طلاب البكالوريا يدرسون على ضوء الهاتف والشمعة

تتوالى الأزمات على لبنان تباعاً، لتُفقد شرائح كبيرة من المواطنين أبسط حقوقهم، وتحرمهم مقومات العيش الكريم. فلا تكاد تنفجر أزمة سياسيّة أو اجتماعيّة أو اقتصاديّة في البلاد، حتى تظهر أزمة جديدة تهدّد المواطن وتثقله بالمتاعب، وآخر مسلسلات الأزمات هي أزمة الكهرباء؛ فمعضلة مؤسسة كهرباء لبنان، مزمنة متجذّرة، مزيجها الهدر والفساد، وهي اليوم أصبحت عاجزة عن تأمين التّغذية بفعل ضعف إنتاجيّة الطّاقة لدى معاملها والنّقص الحادّ في السّيولة، ما دفعها إلى مزيد من التّقنين الذي وصل مؤخراً إلى 24 ساعة في العاصمة وضواحيها.

الانقطاع الشّامل في التّيار الكهربائي ليس سببه التّقنين الكليّ  للشّركة فحسب، بل تقنين المولّدات الخاصّة أيضاً، والتي تغطّي تاريخيّاً عجز “كهرباء لبنان”، بسبب أزمة المحروقات وشحّها، ما أغرق لبنان  اليوم في عتمة  شاملة.

بين تقنين “التّيار” وتقنين “المولدات” كيف يستعدّ طلاب الثّانويّة العامّة للامتحانات ؟

 

طلاب يشرحون معاناتهم

تسابق مهى الوقت في الدّراسة والتّحضير لامتحانات الثّانوية العامّة، فكل دقيقة من النّهار هي فرصة لها، قبل أن يحلّ اللّيل ويمنعها من متابعة دراستها في ظل أزمة كهرباء مجهولة النّهاية.

فبعد عام دراسيّ شاقّ أمضته في الدّراسة عن بعد، ها هي اليوم تعاني من جرّاء انقطاع التيار الكهرباء بشكل مستمر يصل إلى أكثر من 20 ساعة يوميّاً.

على ضوء الهاتف، ووسط ظروف استثنائيّة بعيدة كل البعد عن أجواء الدراسة والتعليم، تحضّر مهى للامتحانات.

وتقول لـ “أحوال”، ينقطع التّيار الكهربائي طوال النّهارواللّيل، ويطال التّقنين المولدات الخاصّة أيضاً، فمعظم الأحيان أبقى مستيقظة حتى ساعات الفجر بانتظار فرج الكهرباء كي أكمل دراستي، وإن لم يحالفني الحظّ أدرس في العتمة، على ضوء الهاتف أو الشّمعة. وتضيف، لم يعد باستطاعتي تحمل هذه المعاناة والذّل، فبأي حال سأجري الامتحانات؟

أمّا حسّان فلا يختلف عن مهى، هو أيضاً يدرس في العتمة، على ضوء الشّمعة، الذي يسبب له الصّداع ويشتّت تركيزه. ويقول: التّقنين اليومي استنزف طاقتي، فأصبحت أعيش أصعب المراحل. ما نتعرّض له أثناء الدّراسة من انقطاع للكهرباء  وما يرافقه من حرّ شديد، يرهقنا ويتعب أجسادنا؛ فالاستعداد للامتحانات يتطلب أجواء مريحة ونحن في لبنان بعيدون عنها.

وللوقوف عند معاناة طلاب الباكالوريا وصعوبة الدّراسة بسبب أزمة الكهرباء، قبل أيّام من الامتحانات، تقول رئيسة دائرة الامتحانات الرّسميّة، أمل شعبان إنّ إجراء الامتحانات أمر ضروري والتّحضيرات على قدم وساق، رغم كل المعوّقات والأزمات، لأن التّلميذ بحاجة  لشهادة الامتحانات الرّسمية، فهي مستند تربوي معترف به محليّاً وخارجيّاً، يوثّق العلامات ويقيّم أداء الطّالب خلال العام الدّراسي، والأفضل بالنسبة إلى الطالب أن يكون بحوزته علامات لا إفادة عندما ينتقل إلى الجامعة.

وتضيف، اتّخذنا كل التّدابير، وخفّضنا عدد المواد إلى 6 تقريباً، كما المناهج الدراسيّة، سنراعي ظروف الطّلاب ونخفّف مضمون المسابقات، ولا داعي للخوف والإرباك.

“أحوال” اتّصل بالمدير العام ورئيس مجلس الإدارة في  مؤسسة كهرباء لبنان مراراً، وعلى ما يبدو أنّه يعيش على كوكب آخر، أما وزارة الطّاقة فهي خارج المعادلة، واعتبرت أن الأزمة مرتبطة مباشرة بمؤسسة كهرباء لبنان، باعتبار أنّها ذات سلطة مستقلّة.

تداعيات الفساد على الأزمة

يشير رئيس الجمعيّة الاقتصاديّة اللّبنانيّة والخبير في ملف اقتصاد الطّاقة د.منير راشد في حديث لـ “أحوال” إلى أنّ أهمّ المخاطر التي تهدّد قطاع الكهرباء في لبنان هي سعي المسؤولين إلى تحقيق نتائج سريعة، عوضاً عن نتائج مستدامة بسبب الوضع الملحّ ونفاذ الخيارات والاحتياطات من العملات الاجنبيّة.

ويلفت إلى أن أزمة الكهرباء كانت متوقعة منذ بداية أزمة الشحّ المالي لاحتياطي العملات الأجنبيّة لدى مصرف لبنان، وعدم إقرار موازنة 2021 التي ورد فيها سلفة خاصة لمؤسسة كهرباء لبنان بقيمة مليار دولار.

ويعزو سبب التّقنين المستمر في لبنان إلى الأوضاع  الاقتصاديّة المترديّة التي تمر فيها البلاد، ما أدى إلى خسارة 18 مليار دولار خلال العام 2020 من احتياطات “المركزي” والجزء الأهمّ منها لدعم الكهرباء.

ويرى أنّ الحلّ الأسرع والأفضل للبنان للتّخلص من أزمة الكهرباء، يكون من خلال تأمين البديل، منعاً من الوقوع في العتمة الدائمة، عبر رفع التّعرفة الكهربائيّة، لوقف الهدر والفساد في المؤسّسة.

ويضيف، بعد ذلك نتّجه نحو الاصلاح الجدي وطلب مزيد من السّفن التّركيّة أو ما يشابهها، لتمويل لبنان بانتاج الكهرباء، لأن الدّولة اللّبنانيّة ليس لديها شركات انتاج كبيرة، كما وأنّها تعاني سوء الإدارة في شتى المجالات، وبالتّالي نكون قد أمّنا إنتاج فعال بتكاليف أقلّ، من خلال مناقصات شفافة بحسب قانون الشّراء الذي وافق عليه مجلس النّواب، بهدف خدمة مصلحة المواطن لا الأحزاب والأفرقاء السياسية.

انهيار شامل

من جهته، يشير عضو كتلة المستقبل النّائب محمد الحجّار، إلى أنّ ما  يحصل في لبنان من جرّاء أزمة الكهرباء، جريمة  ترتكب بحق لبنان وشعبه.

ويشير إلى أنّه  في العام 2002، وضعت حكومة الرّئيس الشّهيد رفيق الحريري القانون 462 لتخفيض فاتورة الكهرباء، بتلزيم الانتاج وبناء المعامل والتوسيع للقطاع الخاصّ، وخصخصة مؤسسة كهرباء لبنان وتعيين هيئة ناظمة للقطاع، إلّا أنّ هذا القانون لم ينفّذ من قبل وزراء الطّاقة المتعاقبين، لأنّه أراد وضع حدٍّ للصفقات والسّمسرات والفساد في قطاع الكهرباء.

ويرى الحجّار أنّ إصرار الوزير السّابق جبران باسيل، على تمويل الكهرباء من خزينة الدّولة وعدم تعديل سعر تعرفة الكهرباء، أوقعا القطاع بخسائر كبيرة تجاوزت الـ 55 % من الدّين العامّ، ونحن اليوم ندفع الثّمن.

ويؤكد على صعوبة إيجاد الحلول الجذريّة، في ظل غياب حكومة مكتملة الصّلاحيات، قائمة على وزراء اختصاصيين، وتستطيع القيام بالاصلاحات المطلوبة كي ترضي طلب المجتمع الدّولي، باعتماد الشّفافيّة المطلقة في عملها، وتحديداً في القطاع الكهربائي.

ويردف، علينا تنفيذ الخطط الكهربائيّة الموضوعة بطريقة علميّة، بعيداً عن المحاصصة،  وإلّا لن  نحصل على الكهرباء في لبنان وسنتجه إلى مزيد من الانهيار على كل المستويات.

ويشير الحجّار إلى أنّ حلّ اعتماد بواخر الكهرباء جيّد، لكنه موقّت، وكان يجب أن يترافق مع إنشاء معامل انتاج كهرباء تؤمّن استمراريّة التّغذية.

ناديا الحلاق

 

ناديا الحلاق

صحافية في صحف لبنانية عدة في أقسام السياسة الدولية والاقتصاد. كاتبة في مجلات عربية عدة ومواقع الكترونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى