سياسة
أخر الأخبار

فرنسا تقلب الطاولة اللبنانية بسلاسة.. ماذا خُفي عنّا؟

لم يكن يتخيل المرء أن اللّبنانيين في عصرهم السياسي الحديث يُقدمون على إنجاز ملف الحكومة بسرعة قياسية: تكليف شبه جامع في تسمية رئيس مجلس الوزراء، وتأليف سيُعتبر سابقة، إذا صحّت التوقعات بإنجاز التشكيلة خلال بضعة أيام. الأهم هو العفّة التي حلّت، والتواضع الذي داهم الإستشارات النيابية وما تبعها من تصريحات وطنية. ماذا حلّ؟ لماذا غابت تلك الخطوات الإيجابية التسهيلية في السنوات الماضية؟ أين الترف السياسي الذي جمّد تأليف الحكومات في كلّ مرّة عدة أشهر؟ الجواب الواضح: إنه إيمانويل ماكرون، الرئيس الفرنسي الذي أتى إلى بيروت مرّتين، فاقتلعت صدى زيارته الأولى حكومة حسان دياب، وفرض وهج زيارته الثانية حكومة مصطفى أديب. فما كان منه إلاّ أن خطط لزيارة ثالثة. فهل تحمل معها خطة المضيّ بتغيير طبيعة النظام السياسي نحو عقد اجتماعي جديد؟ سبق وأن طرح ماكرون في أوّل زيارة عنوان وجوب تغيير العقد السياسي اللّبناني. لكنه فضّل أن يجود من الموجود، قبل الانتقال إلى الخطة ب.

سيركّز الرئيس الفرنسي على الإصلاح المطلوب لبنانياً. هو يشرف بنفسه على كل تفاصيل لبنان، إلى حد نُقل فيه عن شاشة تلفزيونية فرنسية أنها كتبت: ماكرون رئيس لبنان. اذا صحّ ذلك، وفي حال إستفاض رئيس فرنسا في تدخّله الإيجابي بشؤون لبنان، قد يخرج الهمس من الجلسات الى التصريحات عن “إطاحة فرنسا بالسيادة اللبنانية”. لكن ما يمنع وجود أي تصريح في هذا المجال هو ارتياح اللّبنانيين للخطوات الماكرونية. يريد المواطن حلولاً اقتصادية – معيشية. من هنا نالت التدخلات الفرنسية رضا شعبي لبناني واسع، على قاعدة أنّها تصحّح الخلل في البلد، وتوقف الهدر، وتفرض الإصلاحات بدءاً من ملف الكهرباء، وتخفف من “البَطَر” السياسي داخل لبنان، وتحدّ من الانهيار، وتعد بتأمين المؤازرة المالية الدولية.

 

فهل يمضي الفرنسيون قُدماً في خطوات ماكرون تجاه لبنان؟

لا يُمكن اعتبار باريس جمعية خيرية، ولا ماكرون من أصول لبنانية، ولا هو وجد ضالته في بيروت. هناك مصالح سياسية واقتصادية حرّكت الرئيس الفرنسي نحو لبنان بعد انفجار مرفأ بيروت. كان هو بالأساس قرّر المشاركة باحتفال مئوية لبنان، لكنّه عدّل جدول نشاطاته اللّبنانية، لما قبل وبعد الاحتفال بدولة “لبنان الكبير”.

يمكن الجزم هنا أن الفرنسيين قلقون من تمدّد تركي في حوض شرق المتوسط، بأنّ مخطّطه قبالة اليونان وقبرص وليبيا، في ظل قرار الأميركيين بالانسحاب التدريجي من الإقليم. يحاول الأتراك التسلّل بكل اتجاه لفرض نفوذ واحتلال يحاكيان نسبياً المرحلة العثمانية. لذا، قرّر الفرنسيون المواجهة بعد تنسيق كامل مع واشنطن بشأن لبنان. وهو ما أكدّه وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو في الساعات الماضية بحديثه عن الأهداف ذاتها بين بلاده والفرنسيين في لبنان. لكن التنسيق الحقيقي  الأبرز سُجّل بين طهران وباريس، فأتت كل مؤشرات الخطوات الفرنسية تؤكد أن تغطية الجمهورية الإسلامية كامل للمبادرة الباريسية. ظهر ذلك في التعاطي الإيجابي المتبادل بين ماكرون وحزب الله، مسبوقاً بعدم تصويت الأوروبيين في مجلس الأمن الدولي- نتيجة رأي فرنسي- لمصلحة القرار الأميركي بتجديد حظر الأسلحة على إيران. شجّعت الخطوة الأوروبية طهران على الانفتاح مجدداً على  باريس وبرلين تحديداً. قد يُصبح ذلك مدخلاً لتعاطي سياسي دولي جديد إزاء إيران بعد الانتخابات الأميركية المقبلة.

لكن لماذا حلّت البركة الأميركية في زمن تطبيق واشنطن عقوبات بحق حلفاء إيران، على وقع التضييق السياسي لمسارات  لبنان؟ يأتي تدخل الرئيس الفرنسي في لحظة حسّاسة  ينشغل فيها الأميركيون بإنتخاباتهم الرئاسية. أساساً، لا يوجد أي مصلحة لواشنطن بإنهيار لبناني كامل، لإعتبارات أهمها أن الأمن سيُصبح متفلتاً، ولا إمكانية لحلفاء الولايات المتحدة في إمساك لبنان، لا في السلم ولا في الفوضى. من هنا جاء قرار التجديد لقوات “اليونيفيل” العاملة في جنوب لبنان لمدّة عام إضافي، في إطار الرغبة بإبقاء الساحة اللّبنانية مضبوطة.

وإذا كان الأميركيون والإيرانيون سهّلوا الخطوات الفرنسية، كما بدا، فإن تركيا التي حاولت الدخول على الخط اللّبناني بعد انفجار مرفأ بيروت، ظهرت وكأنها أُصيبت بصدمة السلاسة الفرنسية في الساحة اللّبنانية. هي تعرف أنّ باريس قرّرت الحد من التمدد التركي. فهل تقف مكتوفة الأيدي؟ تستطيع أنقره أن تخرّب الاستقرار اللّبناني من خلال تحريك جماعاتها، لكنّها لا تقدر على قلب الطاولة وحدها. ممّا يعني أنّها تتفرّج الآن على فرملة اندفاعتها نحو بيروت بعد أن وصلت طلائعُها إلى طرابلس شمال لبنان، حيث تتواجد في الشمال بيئة حاضنة للمزاج التركي، بفعل غياب العرب عن لبنان. لو كانت بقيت أدوار الخليجيين الإيجابية، ما كان الأتراك وجدوا كرسياً لبنانياً للجلوس عليه. لكنهم وجدوا كرسيّاً فارغاً في الساحة السنّية، فجلسوا عليه بدلاً عن غائب.

 

الأهم: ماذا بعد؟ هل يمضي اللّبنانيون نحو الإصلاح بإشراف فرنسي؟

لِمَ لا؟ لم يعد هناك من مخارج أخرى في بلد اعتاد على العيش من الأموال السياسية التي كانت تأتي إلى مكوّناته من الشرق والغرب. توقفت منذ سنوات، ولا  يريد أحد تقديم الهدايا المجّانية لبلد يشهد الانفلاش في يومياته. من هنا ستكون الإجراءات التي تقرّها الحكومة العتيدة قاسية لتطبيق شعار الإصلاح المطلوب فرنسيا ودولياً.

عباس ضاهر

 

اظهر المزيد

عباس ضاهر

كاتب وصحافي لبناني. باحث متخصص بإدارة الأزمات والخطاب السياسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: