اقتصاد

تجارة عائمة على الحدود مقابل المستعمرات

على بعد أمتار قليلة من الحدود مع فلسطين المحتلّة، تزاحم أبناء بلدة ميس الجبل على بناء المحلاّت التجارية الكبيرة، وانتشر العمران الكثيف، ومعه ارتفعت الأبنية التجارية، المكلفة، والمليئة بالمفروشات والأدوات المنزلية المصنّعة بأغلبها في معامل البلدة التي أعدّها أصحابها وتمّ تجهيزها بالمعدّات اللاّزمة، لتصبح البلدة مقصدًا لأبناء المناطق الّلبنانية، من شمالها إلى جنوبها.

هناك ” دفع أبناء ميس الجبل ملايين الدولارات، وكلّ مدخراتهم خلال سنوات العمر الطويلة، لبناء متاجرهم مقابل المواقع الاسرائيلية المشرفة على البلدة” يقول سمير حمدان، أحد تجّار البلدة المعروفين، مستذكرًا أيام الاحتلال الاسرائيلي الذي ساهم في نزوح معظم أبناء البلدة إلى بيروت ومناطق لبنانية أخرى، ليبدأ أبناء البلدة العمل على مواجهة الواقع المستجدّ، بعد أن كانوا من المزارعين المتعلقين بالأرض، في مناطق النزوح المختلفة، لا سيّما في بيروت، التي عمل فيها العشرات منهم في تجارة السجّاد والأدوات المنزلية، لكن من خلال البيع كمتجولين، سيرًا على الأقدام، عابرين الأحياء السكنية، محمّلين على ظهورهم بالبضائع  لتسويقها للزبائن العابرين، ومنهم من لجأ إلى فتح ” البسطات” في ساحة البرج أو في منطقة “البسطة”. وأوّل من بدأ في التجارة هو الحاج ابراهيم طه الذي “كان يعطي بعض شبّان البلدة البضاعة لتسويقها في مناطق بيروت، ويأتون آخر النهار ليقبضوا أجورهم حسب نسبة المبيع، وهؤلاء جميعًا أصبحوا كبار التجار الذين أورثوا تجارتهم لأولادهم”.

اللاّفت بحسب التاجر محمد عمار أنّ “تجّار ميس يساعدون بعضهم البعض، في فتح المحال التجارية، مركّزين على تجارة المفروشات والسجّاد والأدوات المنزلية، إلى أن حلّ التحرير لينتقلوا ببضائعهم إلى بلدتهم الحدودية، ويبدأون بفتح المحال التجارية فيها، في مغامرة جديدة، لأنّ رأسمالهم بات في مواجهة المدافع الإسرائيلية المنتشرة على التلال القريبة في فلسطين المحتلّة”.

على طول طريق عام البلدة الرئيسي انتشرت عشرات المحلاّت التجارية الكبيرة، وسرعان ما أصبحت البلدة مقصدًا لأبناء المنطقة، “كان التجار يحضرون بضائعهم من البقاع وطرابلس، لكنّهم اليوم باتوا مقصدًا لتجار طرابلس والبقاع، يبيعون بضائعهم جملة وبالمفرّق” يقول عمّار، مؤكدًا على أنّ “منافسة أبناء البلدة في ما بينهم على هذا النوع من التجارة، كانت سببًا لتصبح البلدة مقصدًا للزبائن اللّبنانيين ومن مختلف المناطق، وهي سياسة اتبعها تجّار ميس الجبل، للترويج لبضائعهم واستقطاب الزبائن”.

في البلدة اليوم ما يزيد على 300 محلّ تجاريّ، و29 معملًا لصناعة المفروشات، و4800 وحدة سكنية، بعد أن كان عددها قبل التحرير في العام 200 لا يزيد على 900 وحدة سكنية. مغامرة أبناء البلدة الجديدة، كانت حقيقة، لأنّه “في حرب تموز تعرّضت عشرات الأبنية التجارية والسكنية للقصف الإسرائيلي، لكنّ التجّار كانوا على يقين بقدرتهم على استيعاب هذه الاعتداءات، لأنّ رأسمالهم الحقيقي هو وجودهم في هذه الأرض، وثقة التجار والزبائن بهم”، فبعد انتهاء الحرب مباشرة، لجأت بلدية ميس الجبل إلى مساعدة التجّار على فتح محالهم من جديد، ليتهافت الزبائن من جديد.

بعض التجّار ذاع صيتهم في كل أنحاء لبنان، على غرار مخازن قاروط الكبرى، وقبلان للسجّاد وآخرين قرّروا أيضًا تشجيع التجارة في البلدة ففتحوا فروعًا لهم فيها ما ساهم في زيادة عدد الزبائن الذين يقصدونها.

 

داني الأمين

اظهر المزيد

داني الأمين

صحافي وباحث. حائز على اجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: