صحة
أخر الأخبار

قصة كوكو: فيلم عن الأطفال الذين عاشوا الانفجار… ونصائح لصحتهم النفسية

لم تكن الطفلة كوكو لتدرك، وهي تتابع فيلمًا يروي حكايتها مع انفجار بيروت، أنّ الدمية التي فقدتها إنّما ترمز إلى والدها، هي التي وجدت نفسها تحدّث النجوم قبل نومها، هناك “حيث انتقل والدها للعيش إلى الأبد”.
أزمة الطفلة مزدوجة، فإلى جانب فقدان والدها، كوكو سمعت ورأت وعاشت الانفجار، صدمة يصعب على البالغ تجاوزها فكيف بابنة الثلاث سنوات؟
تقول شاليمار والدة الطفلة في اتصال مع “أحوال”: “لم نكن في المنزل، كانت كوكو مع والدتي حين وقعت الواقعة، جفِلت، صرخت، بكت، واحتمت بجدّتها”.
جاء الفيديو بعد أيام ليروي قصة كوكو التي تختزل قصص الكثير من الأطفال الذين عاشوا الانفجار، ولاقى رواجًا واسعًا على مواقع التواصل الاجتماعي. وتقول الرواية: “كوكو كانت برفقة دميتها حين سمعت صوت الألعاب النارية، وسرعان ما ركضت إلى منزل والدها.. لكن أين دميتها؟ لم تستطع العثور على “تيدي”! لقد فقدته!”.

البكاء أمام الطفل هو أمر طبيعي

شاهدت كوكو الفيلم بحماسة، فهمت أنّه يتحدّث عن تجربتها الخاصة، فهي فعلًا لديها دمية تحبّها وترافقها أينما حلّت، فرحت لمشاهدته وأخبرت المحيطين عنه لكن يصعب على سنّها أن تعيَ أنّ الـ teddy تعني Daddy.

تلفت الوالدة شاليمار إلى أنّ الفيديو ساعد كوكو كثيرًا لتفهم حقيقة ما حصل، فهي لا تعرف شيئًا عن الموت، لا تزال في عمر مبكر جدًا لتدرك حقيقته، لذا كان علينا أن نبلغها فقدان والدها بطريقة تناسب عمرها وأفكارها، فقلنا لها إنّ “مفرقعات شديدة وقعت بالقرب من والدك ما أدّى إلى إعيائه ونقله إلى المستشفى، لكن هناك لم يستطيعوا أن يقدموا له النجدة، لذا لقد انتقل للعيش في السماء”.

“كل يوم تحادثه قبل النوم وإذا أرادت أي شيء تطلبه من النجمة في السماء حيث يقطن والدها بعد الانفجار”، تقول والدة الطفلة.

كوكو في تجربتها هذه، تختصر قصة مئات الأطفال الذين عاشوا الكارثة، وفقدوا أحد أفراد أسرتهم. هذه الفئة لا تزال تعيش بلين وطراوة وبراءة لا تسمح لها تقبل مرارة الحقيقة وبشاعتها، وهي تحتاج إلى عناية خاصة لتجاوز المحنة بأقل أذية نفسية ممكنة، لضمان سلامتها النفسية على الأمد البعيد.

وتقول والدة الطفلة، بصفتها عاشت التجربة مع ابنتها واضطرت للتواصل مع أخصّائي نفسي للأطفال، إنّ “المرحلة دقيقة جدا، البكاء والصريخ هما غير صحيّين، تمامًا كما هو لجم المشاعر هو عمل غير صحي أيضًا”.
وتضيف: “البكاء أمام الطفل هو أمر طبيعي لا بل مطلوب كي يدرك الطفل أن هناك مكروهًا قد حصل، لكن يجب أن يحصل ذلك بعيدًا عن الصريخ والمبالغة في ردّ الفعل وفرط المشاعر كي لا يحتفظ الطفل في هذه الصورة السلبية في رأسه فيؤثر الأمر على صحته النفسية المستقبلية”.

وبحسب علم النفس فإنّ الطفل يبدأ بإدراك فكرة الموت في عمر الثلاث سنوات، ولكن فكرة الموت عنده لا تشبه تلك التي عند البالغين، فهو لا يعرف تفاصيل الموت والجسد والروح وما بعد الحياة، هو فقط يعرف أنّ الموت يعني أنّ الشخص المفقود لم يعد موجودًا معنا في الحياة حيث نعيش.

وللوقوف عند رأي علم النفس وتشخيصه لآثار الأزمة على صحة الأطفال النفسية وانعكاسها على أفكارهم وسلوكهم ومستقبلهم وسبل المعالجة الصحية لنفسيتهم ومساعدتهم للخروج من الصدمة، كان لـ “أحوال” اتصال مع أخصائية علم النفس الخاصة بالأطفال د. سهير هاشم.

تقول د. هاشم: “من المهم على الأهل حين يبلغون الطفل عن الموت أن يتكلموا بشكل صادق وحقيقي، يجب أن نقول له إنّ الشخص قد مات لأنه كان مرهقًا صحيًا ويعاني من المرض “.

وتضيف: “من الخطأ أن نقول له أنّ الشخص سافر فكلّ ما رأى الطفل طائرة سيعتقد أنّ فقيده سيعود له، وبذلك فنحن نعطيه أملًا كاذبًا، ومن الخطأ أيضًا أن نقول له إنّ هذا الشخص الذي رحل انكسر هاتفه وبالتالي لا يمكنه التواصل معك، فهذا سينعكس شعورًا سلبيًا على الطفل فقد يغضب من الفقيد لأنه لم يقُم بجهدٍ لشراء هاتف آخر للتواصل معه، وكذلك من الخطأ أن نقول إنّ الشخص غادرنا وذهب إلى مكانٍ أفضل وأحسن مما نحن فيه”.

اللّعب هو مرآة أفكار الطفل

وعن قدرة الطفل على التمييز بين الموت الطبيعي والموت غدرًا، تقول د. هاشم: “يمكن أن يفهم الطفل هول الحادث خاصة إذا عايشه وتأثر من صدمته، فكلّما تواجد بمكان أقرب من الانفجار وسمع صوته وشعر بتأثيراته ورأى الدمار الذي خلّفه كلما أدرك وقع الموت وطبيعته أكثر، لأنّه رأى بعينيه وسمع بأذنيه، فالطفل في عمر الثلاث سنوات يبدأ بتمييز الحقيقة عن الخيال”.

وتصعب معالجة الطفل الذي تواجد في مكان الانفجار، فالمعالجة هنا ليست فقط على صعيد خسارته لأحد أفراد أسرته بل معالجة أيضًا من آثار الصدمة، إنّها معالجة مزدوجة تقول الأخصائية النفسية “نحن هنا نعالج الصدمة التي عاشها جراء الانفجار والصدمة التي عاشها جراء فقدان شخص عزيز على قلبه”.

طرق معالجة الأطفال الذين عاشوا الصدمة

من واجب الأهل عندما يعبّر الطفل عن مشاعر الخسارة أن يحثّوه على المزيد من الكلام، ويرى علم النفس أنّه ليس من الصحّي أن يقوم ذوّو الطفل بتبديل مشاعره بمشاعر مختلفة لأنّهم بذلك لا يقدّمون الصورة الحقيقية عن مشاعر الطفل بل يدفعونه للاعتقاد أن مشاعره غير حقيقية، وربما مخجلة وعليه أن يخبّئها.

تقول د. هاشم: “يمرّ الطفل عندما يفقد عزيزًا بمرحلة حداد وهي مرحلة ضرورية للحفاظ على سلامة صحته النفسية، على الأهل أن يدفعوه للكلام والتعبير والحديث عن مشاعره دون لجمها بأي طريقة كانت، فإذا خبّأ الطفل مشاعره هذا لا يعني أنّها غير موجودة بل أنّه قام بدفنها داخله وممكن أن تتمظهر في سلوكه في أي مرحلة لاحقة من حياته”.

كما الكِبار كذلك لدى الصغار، تختلف ردود الفعل من ولدٍ إلى آخر، فبعض الأطفال يفضّلون الصمت ويتجنّبون البكاء والتعبير عن مشاعرهم ويلجؤون للعزلة والانزواء، هنا يبرز دور الأهل في جعل أطفالهم ينطقون، ويركزّ علم النفس على اللّعب، فالقاعدة الأساسية في عالم الأطفال أنّ “اللّعب هو مرآة أفكار الطفل”.

في هذا الصدد تقول د. هاشم: “ممكن أن نكتشف بمَ يفكّر الطفل من خلال اللّعب، وإحدى أساليب اللّعب تتمّ عبر الرسم، إذ نطلب منه أن يرسم مشاعره وأفكاره باستخدام الألوان على ورقة وفي نفس الوقت نطلب منه أن يرسم على ورقة أخرى نهاية ثانية كان يتمناها بدل التي حصلت، وبذلك حين يفرغ مشاعره على ورقة سيتبلور الصراع الذي يعيشه بين ما حصل وما كان يتمناه أن يحصل.

وكذلك هناك لعبة “منزل الدمى” التي تساعد الأطفال الذين يعيشون صدمة أو “تروما”، فهذه اللّعبة تُفلِت العنان لخيال الطفل فيرسم قصّة الدمى من خلال ما حصل حينًا وما كان يتمنى أن يحصل أحيانًا أخرى، بحسب الأخصائية.

يكرّر بعض الأطفال القصّة ذاتها مرارًا وتكرارًا، قد يبدو الأمر تافهًا لا معنى له بالنسبة للأهل ولكن هذا بغاية الأهمية في علم النفس.

تقول د. هاشم: “بقدر ما يكرّر الطفل بقدر ما يستطيع السيطرة على مشاعره السلبية بشكل أكبر والتخلص منها، فالتفكير بصوت عالٍ يساعده على تقبّل الحقيقة والقضاء على ما يزعجه”.

وتلفت الأخصائية في علم النفس أنّ اللّعب بالمعجون أيضًا يساعد الأولاد فمن خلال الضغط على المعجون يفرغ الطفل الطاقة السلبية التي تتملكه، وكذلك اللّعب في الرمل حتى أنّ مشاركة الولد بعض الألعاب العنيفة من خلال مسدس ماء أو لعبة المطاردة والجيش والطائرات والدبابات ممكن أن تساعد أيضًا في تفريغ أفكاره السلبية في المكان المناسب الذي هو اللّعب، بدل أن يضرب أو يؤذي أطفالًا آخرين.

نُهاد غنّام

اظهر المزيد

نُهاد غنّام

صحافية تمارس المهنة منذ العام 2007، حائزة على الماستر في الصحافة الاقتصادية من الجامعة اللّبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: