صحة

حليب أطفال مزوّر لماركات شهيرة يدخل لبنان من سوريا

برسم وزارتي الصحة والاقتصاد

مرّة جديدة يُسجّل فيه انفلات الحدود اللّبنانية – السّوريّة، وسيطرة عصابات التّهريب على المعابر غير الشّرعية، الذين يحظون بغطاء بعض السّياسيين والنّافذين؛ فضيحة مدويّة، خصوصاً وأنّها تطال حليب الأطفال، في ظل أزمة احتكار بعض الشّركات والصيدليّات للحليب، وتخزينه بهدف بيعه بأسعار مرتفعة مع هبوط سعر الليرة أمام  الدّولار.

وفي حين تظهر أصناف وماركات جديدة لحليب الأطفال في الأسواق اللّبنانيّة، نجد عبوات حليب مزوّرة، في مخيم شاتيلا ومخيم برج البراجنة، تحمل نفس أسماء وماركات شهيرة لبعض الشّركات المصنّعة للحليب.

حليب مغشوش

معلومات خطيرة جداً يكشفها مصدر من مخيم شاتيلا، مؤكداً وجود عبوات حليب للأطفال، سورية المصدر، داخل المخيّم، تصل عن طريق التّهريب، ويُطلق عليها إسم “الحليب المهرّب”؛  ولا تباع بشكل علني رغم غياب الرّقابة، بل هي موجودة في شقة سكنيّة، ويتم بيعها لبعض الزّبائن الموثوقين عند الطّلب.

ويضيف، تُباع العبوات أيضاَ في مخيم برج البراجنة حيث التّاجر الأساسي على حد قوله.

البيع من خلال وسيط

ويتابع المصدر، الأهالي لا يعلمون أنّ عبوات الحليب مزوّرة، ويلجأون إليها إمّا من باب التوفير أو لتأمين بديل عن الأصناف المفقودة، وعادة ما تتم العمليّة من خلال وسيط.

ويشرح، مثلاً هناك ناطور إحدى البنايات يشتري العبوات من المخيّم ليبيعها بدوره إلى بعض الأمّهات في البناية التي يعمل فيها، بعد أن فقدن الأمل في إيجاد حليب لأطفالهن، خصوصاً وأنّ العبوة “المقلّدة” مطابقة للعبوة الأصليّة ويصعب تميزها.

تجارة غير شرعيّة

حليب مزوّر يدخل الأراضي اللّبنانية بلا حسيب ولا رقيب، لا يخضع للمعايير الدوليّة، ولم تجر عليه الفحوصات المخصّصة، ولا يطابق ما يحتاجه الأطفال. ملف جديد يضاف إلى ملفّات الفساد المتراكمة، التي يعجز العقل عن استيعابها. فهل يتوسّع هذا النّشاط التّجاري “المحرّم” إلى خارج حدود المخيّمات. وما تأثير هذا الحليب على سلامة وصحّة الأطفال؟

غياب السّلطة

مصادر من وزارة الاقتصاد  ومن وزارة الصّحة أجمعت على أنّ مسألة التّهريب بكل أنواعه ليست من صلاحيتهم، بل من صلاحية الجمارك والقوى الأمنية والجيش اللّبناني.

وتضيف المصادر، غياب السّيطرة الأمنيّة عن المخيّمات، وعدم القدرة على رصد حركة الدّخول والخروج منها، يفتح مجالاً واسعاً للعديد من النّشاطات التّجارية غير الشرعيّة، التي قد تحصد أرواح  النّاس.

مواد مسرطنة

مصادر طبية تؤكد لـ “أحوال” أن أي حليب بديل لحليب الأمّ يجب أن يُركّب وفقـاً لمعاييــر عالميّة، وبطرق مدروسة ومحدّدة، وأن يخضع لفحوصات مخصّصة كي لا يسبّب مضاعفات وخلل في نمو الطّفل.

كما يجب أن يكون مدعّماً بكميات محدّدة لا يسمح بيتجاوزها، من الحديد والفيتامينات، والبروتينات والسّكريات والنّيكوتيناميد.

وتشير المصادر إلى أنّ الحليب المزوّر الذي يكثر الحديث عنه مؤخراً، هو حليب مجهول المصدر، لا نعرف تفاصيل تركيبته ولا الأسس الدراسية والعلميّة التي اعتمدت خلال تصنيعه.

وترجّح المصادر احتواءه على مواد سامّة، قد تكون مسرطنة، تظهر خطورتها لاحقاً على صحّة الأطفال ونموهم الجسديّ والذّهيّ وجهازهم العصبيّ والمناعيّ.

والخطورة الأكبر في حال لم يتمكّن الطّفل من التّميز بين طعم الحليب الأصليّ وطعم الحليب المزوّر، أو في حال عدم ظهور أعراض جانبيّة من جرّاء استخدامه، مثل التّقيؤ أو الإسهال أو الحساسيّة أو مشاكل في التّنفس.

الموضوع اليوم برسم وزارة الصّحة، وعليها التّحرك سريعاً، ودهم كل الأماكن المشبوه، وملاحقة المهرّبين والمروّجين الصاذين يتلاعبون بصحّة وسلامة الأطفال، بحسب المدر الطبية.

فضيحة متوقّعة

من جهته، يشير رئيس لجنة الصّيادلة في حزب الكتائب، وعضو تقاعد صيادلة لبنان جو سلّوم، إلى أنّ هذه الفضيحة غير مستغربة في بلد مثل لبنان. فكما يتمّ تهريب الدّواء ذهاباً وإياباً من لبنان إلى سوريا وغيرها من البلدان، لا نستبعد أن يتمّ تهريب الحليب غير المطابق للمواصفات إلى داخل الأراضي اللّبنانيّة، وقد يكون الأمر على مرأى بعض النّافذين.

إلّا أن سلّوم يطمئن الأمّهات قائلاً: “الحليب المهرّب والمزوّر، من الصّعب بيعه في الصيدليّات، لأنّنا لا تشتري  بضائعها إلّا من شركات ومصادر موثوقة. لكن الخوف الأكبر يبقى على المواطن الفقير، الذي قد يلجأ الى أماكن أخرى للحصول على الحليب، إما بسبب التّوفير الماديّ، أو لفقدان الصّنف الذي يستخدمه، خصوصاً إن لم يستغرب الطّفل طعم الحليب أو إن لم تظهر عليه أعراضاً جانبيّة.”

ويحذّر سلوم من تفاقم أزمة فقدان الحليب من الصيدليّات، الأمر الذي قد يزيد من هذه التّجارة المستجدّة التي استغلّت الفوضى النّاتجة عن تفشّي فيروس كورونا، وعن غلاء الأسعار وعدم مراقبة الأسواق. ويناشد الجهات المختصّة متابعة الموضوع والتّشدّد في الرّقابة، لأنّ سلامة الأطفال خطّ أحمر. كما يطالب الجمارك اللّبنانية إقفال الحدود بطريقة جدّية، والتّصدي لكل أنواع التّهريب.

ويأسف سلّوم لوصول لبنان إلى مرحلة لم يعد باستطاعة المواطن، إيجاد الدّواء والحليب لأطفاله، والأفظع من ذلك أنّنا أصبحنا نجد أدويتنا  المدعومة وحليب أطفالنا، على رفوف صيدليات دول عربية وغير عربية، في حين يُحرم المواطن اللّبناني فرصة الحصول عليها من بلده الأمّ.

ويدعو إلى تضافر الجهود من أجل المحافظة على قطاع الصّيدلة، كي لا يلجأ المواطن إلى شراء الحليب والدّواء من أماكن مشبوهة؛ فالصّيدليّات هي الحصن الحصين للصّحة في لبنان، كونها مكاناً موثوقاً ومراقباً، ولا يسمح بالتّلاعب أو بيع البضائع المغشوشة داخلها، كما وتضمن للمواطن جودة البضائع التي يشتريها منها.

تلوّث بالسالمونيلا

أما نقيب مستوردي الأدوية كريم جبارة، فيقول لـ “أحوال”:  إنّ صدق الحديث عن تهريب حليب مزوّر إلى داخل الأراضي اللّبنانيّة، وتسويقه على أنه حليب أصليّ، يحمل علامة تجاريّة معيّنة، فهذا دليل على فلتان حدودنا من الجهتين، جهة الدخول، مع تهريب السّلع المدعومة، وجهة الخروج، مع تهريب الحليب المزوّر الذي قد يحتوي مواداً سامةً، خصوصاً وأن حليب الأطفال يجب أن يُصنع ويُحفظ بطرق مدروسة.

وتخوّف جبارة من أن تحمل هذه العبوات مادة الـ “سالمونيلا” التي تنتقل إلى الإنسان عن طريق الحيوانات في المزارع، وتسبّب الإصابة بها نوبات إسهال وإقياء قويّة إضافة إلى تشنّجات حادّة في المعدة.

ويتابع، الخطورة ستكون عند فقدان الحليب والأدوية نهائيّاً من الأسواق اللّبنانية، عندها سيتفنّن المهرّبون والمزوّرون باستغلال ظروف اللّبنانيين، للتّرويج لهذا النّوع من الحليب، وبالتالي نكون أمام كارثة حتميّة قد تهدد أمن وصحة وسلامة أطفالنا.

ناديا الحلاق

 

 

 

ناديا الحلاق

صحافية في صحف لبنانية عدة في أقسام السياسة الدولية والاقتصاد. كاتبة في مجلات عربية عدة ومواقع الكترونية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى