بيئة

فتح موسم الصيد البري… من سرب القرار وأين وزارة البيئة؟

يذكرنا وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال دميانوس قطار بالوزير الأسبق فارس بويز، فأحد منهما لم يؤمن بأن البيئة ميدان الطموح الأهم في العالم، فيما خيولهما لما تزل في مرمحها ناظرة لمواقع سياسية “أعلى شأنا”، وكلاهما اعتبر ضمنا أن حقيبة البيئة نوع من عقاب لا يستحقانه، هذا ما عبر عنه الوزير بويز صراحة يوم آلت إليه “البيئة” بعد أن ظل سنوات عدة على رأس الدبلوماسية اللبنانية، وزيرا لخارجية لبنان، وهذا ما أقعد الوزير قطار عن العمل فيما كان يتطلع – وللمفارقة – لوزارة الخارجية!
البيئة في لبنان لا تفضي إلى رئاسة الجمهورية، وللمفارقة، فقد أعلن قبل يومين زعيم حزب الخضر الألماني روبرت هابيك Robert Habeck تحدي التحالف المسيحي الذي تنتمي إليه المستشارة أنجيلا ميركل وإزاحته من المركز الأول في الانتخابات البرلمانية المقررة خريف 2021، هذا حال الدول التي ترى في البيئة رافعة للسياسة لا جائزة ترضية تمنح عند اقتسام كعكة الحكومة.

ملف الصيد البري
انطلاقا من كل ذلك، لا نستغرب أن تكون البيئة في لبنان سائبة مسيّبة، وما يهمنا في هذا السياق متعلق بملف الصيد البري، خصوصا مع صدور قرار فتح موسم الصيد البري رغم الأوضاع الصعبة التي يمر بها لبنان، فيما وزارة البيئة عاجزة عن معالجة ملفات كبيرة وخطير كالصرف الصحي والنفايات ومشاريع السدود، إلا أن الوزير قطار رأى أن الأمور مؤاتية لإعلان فتح موسم الصيد البري من 15 أيلول 2020 حتى 15 شباط 2021.
وبالإستناد إلى تجارب السنوات الماضية ومع “تنظيم” الصيد البري (الحصول على رخص – الخضوع لدورات – تحديد عدد الطرائد… الخ، ومع ما شهدناه في ظل الصيد “المقونن” ليس ثمة ما يشجع على فتح الموسم خصوصا وأننا واكبنا تجاوزات فاضحة في السنتين الماضيتين، لكن يبدو أن الغلبة لـ “تجارة الصيد” وتشريع قتل الطيور في بلد لا تطبق فيه القوانين، إلا ما رحم ربي.

أنا رجل علم اتركوني بحالي


أحد الخبراء في مجال الطيور نأى بنفسه عن ملف الصيد البري في لبنان، رافضا إبداء الرأي حيال قرار فتح الموسم، قائلا: “أنا رجل علم اتركوني بحالي”، في إجابة واضحة وصريحة تعبر عن واقع ميؤوس منه، لا سيما عندما يؤثر العالِـم والخبير الابتعاد عن ملف لم يكن يوما في منأى عن المصالح جالبا الموبقات والفساد، دون الإفتئات على قلة قليلة جدا ترى الصيد البري من منظور الاستدامة، بعيدا من العبث والفوضى في ظل القانون أو دونه.
وتاليا، جُلّ سألناهم عن قرار وزارة البيئة بافتتاح موسم الصيد البري 2020-2021 أكدوا أنهم لم يتلقوا دعوة إلى الإجتماع المعتاد خلال شهر تموز من كل عام لبحث هذا الأمر، واعتبروا أن القرار لم “يصدر” بشكل رسمي وقد تم تسريبه وتعذر الإتصال مع وزارة البيئة، فكما هي العادة وفي العديد من المسائل، تستقبل الوزارة اي تساؤل ولكن هذه المرة لم ترد لا سلبا ولا إيجابا، وكما هو ظاهر في القرار الصادر، ووفقا لعدة أشخاص لم يتم ايصالهم محاضر الإجتماع للتأكد من حصوله، أو أي معلومات إضافية، وتفاجأوا بالقرار وسط هذه كارثة الكبيرة التي أصابت لبنان عقب الانفجار الكارثي في مرفأ بيروت.

تسريب القرار!

تجدر الإشارة إلى أن البند الوحيد المعدل في القرار الصادر بتاريخ 2 آب الجاري، هو تاريخ بدء الموسم، أي أنه لحظ ما طالب به خبير الطيور في المجلس الأعلى للصيد البري البروفسور غسان جرادي، لجهة تأجيل افتتاح الموسم من أول أيلول إلى 15 منه، كون موسم الشتاء طال ولم تسنح الفرصة للطيور للتفريخ إلا متأخرة، وذلك لإعطائها مجالا اكبر للتكاثر، كما أن الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان لم تسمح – ربما – باعتماد الآليات المتبعة مع بداية كل موسم، خصوصا مع جائحة كورونا والوضع الاقتصادي وحركة الاحتجاجات الواسعة، إذ لم يتم تحديد اجتماع او الدعوة إليه.
لكن أحد المعنيين بهذا الملف قال لـ “أحوال ميديا” أنه “تم تأجيل اعلان القرار في سياق ملتبس الأهداف وقد تم تسريبه”، كما تعذر التواصل مع أي من أعضاء اللجنة للوقوف على حيثيات الموضوع من جوانب قانونية وبيئية.

الصياد المسؤول

ثمة الكثير من التساؤلات، أحدها أن الصيادين الذين يتجاوز 600 ألف في لبنان، (أكبر النسب في العالم بالنسبة لعدد السكان) ضاقوا ذرعا من أن الأحداث التي طاولت البلاد من الإنتفاضة الشعبية وطول موسم الشتاء وجائحة كورونا والحجر الصحي والأزمة الإقتصادية حالت دون ممارسة هوايتهم في الموسم السابق، على الرغم من استصدار عدد منهم إجازات صيد ودفعهم الرسوم، وقد طالب عدد منهم تجديد هذه الرخص دون دفع الرسوم، لممارسة هوايتهم خلال هذا الموسم.
الصيد هو هواية متجذرة في لبنان، وأن الطرق الحديثة كتصوير الطيور والمشي في الطبيعة هي الثقافة التي يجب ارساؤها، ولكن يظل الصيد الهواية الأولى، وبالمقابل الصياد المسؤول هو الصديق الأول للطبيعة، فهو يساهم بحمايتها من أساليب الصيد الجائر، من الدخلاء على هذه الهواية الذين يتبعون طرقا جائرة، لا تؤذي الطبيعة وتوازنها فحسب، بل تمس أخلاق هذه الهواية التي تدر دخلا على الدولة من الرسوم التي يدفعها الصياد، كما وأنها تحيي المناطق النائية بمداخيل لأبنائها.

عيتاني
ورأى رئيس “جمعية حماية الطيور في لبنان” فؤاد عيتاني أنه “حتى اليوم ليس هناك أي قرار أو إعلان رسمي عن افتتاح موسم الصيد البري”، مرجحا أن “يكون السبب هو الاوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد ولا سيما بعد انفجار بيروت”.
وقال عيتاني: “فتح الموسم، إن حصل هذه السنة، فهو دائما خطوة ايجابية تسمح للصياد المسؤول ان يمارس هوايته في ظل القانون”، وأشار إلى أنه “في السنوات الماضية وتزامنا مع إعادة افتتاح موسم الصيد البري شهدنا التزاما كبيرا من الصياد اللبناني وتشددا تصاعديا في تطبيق القانون من قبل الجهات المختصة ولا سيما قوى الامن الداخلي، إنما لا يزال الصيد غير المشروع هو العدو الرئيسي لهذه الهواية من صيد ليل وصيد الشبك ودبق والصيد الجائر للطيور من غير الطرائد، علما أن هذه التجاوزات تحصل بغض النظر ان افتتح الموسم أو لم يفتتح، ولكن الاكيد ان افتتاح الموسم وتطبيق القانون سيساهمان بخفض عدد وحجم التجاوزات تلك”.

الخطيب


من جهته، قال رئيس “مركز الشرق الأوسط للصيد المستدام” ومدير الصيد المسؤول في جمعية “حماية الطبيعة في لبنان” SPNL أدونيس الخطيب: “لسنا في هذه اللجنة أو المجلس الأعلى للصيد المستدام، ومهامنا مستمرة منذ سنوات بهدف تنظيم هذه الهواية عبر مكافحة الصيد الجائر، من خلال التوعية والتثقيف، فلا ضابط لهذه الشريحة من المواطنين إلا بهذه الطريقة، وباستيعابهم، لا بل بمساعدتهم للحفاظ على الطبيعة، فلا تستطيع القوى الأمنية مكافحة الصيد الجائر بكامل عديدها، أن تضع حدا للمجازر المرتكبة إلا بهذه الوسائل، كون عدد كبير من الذين تربوا على هواية الصيد، قد وصلتهم بالطرق غير السليمة، لذا وببساطة فهم لا يعلمون بأن بعض الممارسات خاطئة، وقد حاولنا عبر المركز ومن خلال دورات عدة، توعية الصيادين حول الأنواع المسموحة واساليب الصيد المسموح وغيرها، ليمارسوا هوايتهم بالتوقيت وبالطرق الأسلم، وإلا فلن يمكننا تنظيم هذه الهواية”.
وأضاف الخطيب: “الصياد يعرف كافة المناطق وخصوصا المخفية منها، لذا فيعاوننا العديد منهم في مكافحة الأساليب الجائرة التي تضر هوايتهم، وليس بتوقيف الجناة فحسب، بل بالتوعية والتثقيف ومكافحة المجازر الكبرى بالتوعية حول فوائد هذه الطيور للبيئة، بالإضافة إلى التعاون مع المؤسسات الدولية مثل CABS وغيرها، ولعل النتيجة الأولى لنجاح استراتيجيتنا وباعتراف جهات دولية، هي بأن المجازر التي تطاول الطيور المهاجرة من طيور جارحة وبجع ولقلق في منطقة البقاع الغربي قد انخفضت بنسبة 70 بالمئة، فضلا عن تشجيع اقامة الحمى ومناطق الصيد المسؤول التي تسمح بالصيد، وبذات الوقت بتكاثر الطيور”، لافتا إلى أن “هذه الهواية تدر دخلا للدولة، لجهة الرسوم على اجازات الصيد، والضرائب على علب الخرطوش، ومساعدة المناطق النائية لجهة اتجاه الصيادين اليها وانفاقهم هناك ما يشجع الإقتصاد المحلي”.
وتخوف الخطيب أنه “بسبب الأزمة الإقتصادية وغلاء الخرطوش حيث أن العلبة تتراوح بين 50 و85 ألف ليرة، وقد تتجاوز هذا السعر في بعض الأنواع فضلا عن غلاء اسعار العتاد كونها جميعا مستوردة من اتجاه البعض لأساليب غير قانونية نحاول مكافحتها، مثل صيد الشبك وعلى الشجر المضاء بالليل”.

سعد
أما الناشط روجيه سعد، فأكد أن “هذا القرار غير رسمي، وليست الوزارة في هذه الأوضاع بوارد اصدار اي قرار بهذا الشأن، ولم يتم ابلاغه عبر القنوات الرسمية أو إعلانه عبر صفحة الوزارة”، وأشار إلى أن “التجاوزات الموجودة، نتابعها ونضعها أمام الجهات المعنية، التي لم تتوان عن المتابعة وملاحقة المرتكبين”.
لكن يبقى ثمة سؤال، من سرب القرار وأين وزارة البيئة؟!

أنور عقل ضو

اظهر المزيد

أنور عقل ضو

صحافي في جريدة "السفير" منذ العام 1984 إلى حين توقفها عن الصدور. عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية في لبنان والعالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى