بيئة
أخر الأخبار

الأثر البيئي ما بعد كارثة المرفأ… مبادرات عفوية و«رسالة» لطيور اليمام

جمع عينات من الغبار من على الشرفات وداخل المنازل التي تضررت من الإنفجار الكبير في المرفأ والمحيط الجغرافي وصولا إلى قطر 8 كيلومترات

“من معالم جريمة الإنفجار (الأبوكولبسي) التلوث الذي يغزو الأجواء اللبنانية جراء انفجار المرفأ، والذي يبدو أخطر مما يجري تقديره، والدليل غياب الطيور التي كانت قد عادت تمخر سماءنا مرتاحة في زمن الكورونا. اليمامات والعصافير التي كانت تؤنس عزلتي الاختيارية، في زمن الكورونا، أثناء تواجدي على سطح منزلنا، غابت ولم أعد أراها منذ يوم الكارثة، وبقيت فتافيت الخبز وبقايا الطعام التي أنثرها على حالها، ومعها حزني الذي يكبر كل يوم”.
هذه الكلمات كتبها الزميل حسن الشامي عبر حسابه على فيسبوك، وهي تختزل لحظة كأداء نعيش معها الموت وما بعده، ولما نزل في حاضرةِ الصدمة وخلفها الكثير من غبار الأسئلة المتراكم على جدران الأمل الضامرِ حتى حدود الخوف، تماما كما الغبار المتناثر فوق بيروت والمناطق القريبة، وكأنَّ ثمة موتا آخر لا زال يترصد حياة اللبنانيين وسط فقر وجوع وجائحة. رسالة اليمام!
غاب اليمام عن سماء بيروت، هجر الأسطح والساحات بحثا عن هواء ونسائم نظيفة، أما نحن فلا أجنحة تقلِّنا بعيدا، هواؤنا ملوث بما فاض علينا من نترات الأمونيوم المشتعل، ومن دخان قاتل وغبار نتنشقه طوعا بلا إرادة، فيما اليمام هاجر مؤقتا ليبعث برسالة أن “احْذروا وتنبهوا”، لكن إلى الآن يبدو أن “الرسالة” لم تصل، غادر اليمام وتركنا وحيدين نلملم أحزاننا ونواري الشهداء ونبلسم جراحا، أما السلطات المعنية فلم ترقَ إلى مستوى الفاجعة، لم نسمع وزيرا يحذر ومسؤولا يلقي الضوء على نتائج الكارثة، تلوثا يقتل ويميت، فيما الركام مجبول بملوثات كيميائية خطيرة، لكأن الموت ينحصر في تبعاته المباشرة، وننسى أنه يستوطن الشرفات والساحات والمطارح أبعد من بيروت.
نعلم أن الأولوية تتمثل اليوم في رفع الأنقاض والبحث عن المفقودين وتقييم الأضرار وإغاثة المنكوبين، لكن لتستعيد بيروت الروح المطلوب أيضا مقاربة علمية صحية وبيئية لنتائج الكارثة، وكل ما هو قائم اليوم ليس بأكثر من مبادرات فردية، تبقى على أهميتها دون المطلوب ما يستدعي تشكيل هيئة وطنية تعنى بالجانب الصحي والبيئي وتؤطر سائر المبادرات وفق آلية عمل واضحة ومحددة.
جامعة البلمند
المشهد ما بعد الكارثة يعكس تضامنا شعبيا في بيروت ومعها، تمثل بمبادرات عفوية، ومن بينها، مبادرة باحثين في جامعة البلمند، الذين باشروا بأخذ عينات من الغبار من على الشرفات وداخل المنازل التي تضررت من الإنفجار الكبير في المرفأ والمحيط الجغرافي وصولا إلى قطر 8 كيلومترات.
وفي هذا المجال قالت الباحثة في مجال الكيمياء التحليلية Analytical Chemistry من كلية الهندسة المدنية والبيئية في جامعة البلمند “هذه المبادرة بالإشتراك مع الباحث في كلية العلوم والفنون قسم العلوم البيئية والباحث في الكيمياء التحليلية الدكتور أديب كفوري، بمحاولة لجمع أكبر عدد من العينات، وتواصلنا في هذا المجال مع الصحافي البيئي مصطفى رعد للمساعدة في هذه الحملة، وللتواصل مع الناس عبر منشور على مواقع التواصل الإجتماعي، وتفاجأنا بوعي المواطنين وحجم التجاوب مع مبادرتنا، إذ تواصل معنا الكثيرون، وقمنا بإعطاء التوجيهات حول كيفية أخذ العينات، وقد وصلنا خلال اليوم الأول لأكثر من 40 عينة من مواطنين من مناطق عدة”.
جبلي
وقالت جبلي لموقعنا: “بدأنا عملية جمع العينات من على شرفات المنازل تحديدا، لفحص مكوناتها النيتروجينية التي انطلقت وترسبت في المحيط، وسنقوم بدراسة كافة التركيبات غير العضوية لهذه الجزيئات، لدراسة أثر انبعاثها على المحيط وصحة الناس، سواء على المديين القريب والبعيد، ونحاول أن نأخذ هذه العينات من المنطقة الجغرافية الأكبر، وأن تكون هذه العينات موزرعة بطريقة منطقية وموضوعية لتكون الدراسة أشمل ومن جميع النواحي”.
وعن المبادرة، قالت: “عند حصول الإنفجار، وجدنا أنفسنا كالعديد من الناس نفكر بطريقة تمكننا من المساعدة، ونحن ككادر اكاديمي وتعليمي وضمن اختصاصنا نحاول وبطريقتنا المساعدة، ولم تتوانَ جامعة البلمند عن الموافقة على المبادرة، وكان الهدف أن نسرِّع العملية لنأخذ أكبر عدد من المتطوعين، وفي نقط موزعة جغرافيا بشكل يؤمن التغطية الكاملة المطلوبة، لتكون الدراسة أشمل وأوسع، وتفاجأنا بالوعي لدى الناس، سواء بالتجاوب أو بأخذهم العينات بصورة يحافظوا فيها على سلامتهم، فلا يمكننا جمعها دون تعاون الناس وبالمساحة الجغرافية التي وصلت إليها الانبعاثات وتغطية كافة المناطق”.
وأضافت: “هذا الدراسة هي نتاج تعاون بين الدكتور كفوري وبيني، وهي عمل مشترك مع المواطنين وكليات ضمن الجامعة وجهات خارجها، والأمر المفاجئ وعي الناس ومساعدتهم، وكل يساعد وعلى طريقته ونتكامل مع بعضنا البعض أمام هذه الكارثة المروعة، وقد جمعنا العينات من مسافات وصلتها الإنبعاثات، على أمل أن نحصل على أكبر عدد منها ونباشر دراساتنا التي تحتاج إلى الكثير من التحضير والوقت، باستناد إلى ما لدينا من معدات”.
ولفتت جبلي إلى أنه “كان الهدف تجهيز مقر الأشرفية لجامعة البلمند بمعدات خاصة لجمع هذه العينات، ولكن المقر أصابته أضرار جمة نتيجة الإنفجار ولا يمكن استخدامه، ومن جهة أخرى، فإن هناك الكثير من العوامل الطبيعية التي تتحكم بهذه العينات ومدى تبعثرها من رطوبة ورياح وغيرها، وعملنا هو تجزيء كيميائي Chemical Characterization لطبيعة هذه المواد وتأثيرها بصورة متكاملة”.
كفوري
من جهته وردا على سؤال حول إمكانية نقل الردم إلى المقالع والكسارات، قال الدكتور كفوري: “لا نعلم عن قابلية هذه الطريقة للتطبيق، أو إن كان البديل طمر الردميات في البحر، ومدى تلوث هذه الردميات فضلا عن مدى إمكانية تلويثها لمياه البحر، وهذا الأمر يجب بحثه وبعمق”.
ولفت إلى أنه “إذا كانت ثمة مواد سامة، فالأرجح ألا تتساقط بمعظمها في مكان التفجير، لأن الهواء عمل على نقلها وإلى مكان أبعد، فقد شوهدت السحب Plume الخاصة بهذه الإنبعاثات في مناطق بعيدة مثل حمانا وأبعد، ونحتاج للمزيد من الوقت لمعرفة المزيد من المعلومات والمعطيات، لنتمكن من وضع دراسة أولية عن اتجاه سحب الدخان الأحمر Plume الغني بمادة ثاني أوكسيد النيتروجين، وأين تأثيرها الأكبر والغبار الذي تساقط منها لنعرف تأثيرها الكامل”.
وتابع كفوري: “كان ارتداد الإنفجار على المنازل ما تسبب بأضرار أكبر، أما لجهة المواد السامة فقد ساهم الهواء بنقلها، والدراسة تصب في هذا الإطار، وليس لدينا الإمكانيات والمعدات للقيام بدراسات وتحاليل بصورة سريعة، لذا نحتاج لبعض الوقت، وكنا بحاجة لعربة متنقلة لقياس تلوث الهواء، سواء في محيط الإنفجار أو في مكان أبعد، ونحتاج للوقت لنتمكن من تحديد المنطقة التي تحتاج إلى دراسة أكبر عدد من العينات والتي تحتوي على التلوث الأكبر من هذا الإنفجار الكيميائي”.
وعن سحابة NO2 الناتجة والغبار الذي ظهر إثر الإنفجار، قال الكفوري: “ثاني أوكسيد النيتروجين هو عبارة عن غاز ومؤشر من مؤشرات خمس للتلوث، وهو مؤشر هام للتلوث الناتج عن قطاع المواصلات والنقل بشكل عام، وهو يظهر بصورة واضحة في وقت الذروة في المدن الكبرى مثل بيروت وصيدا، ولا يجب أن ننسى أن انفجار 2750 طنا من هذه المادة واحتراقها بأقل من ثانية، قد أنتج سحابة حمراء داكنة (نبيذية اللون)، وقد خف اللون تدريجيا بعد اختلاطه بالهواء الذي نشره إلى مسافات أبعد، وقد اختلف لونها وفق المنطقة والتخفيف في الهواء وزاوية النظر ومكونات الهواء التي عملت على تغيير اللون الذي تحول الى الوان عدة منها البني مثل الصدأ وألوان أخرى”.
افرام
ومن جهته، أشار مدير عام مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية LARI الدكتور ميشال افرام إلى أن “الكميات المستوردة من مادة نيترات الأمونيوم تجمع منها العينات من الإدارات الرسمية المختصة وترسل إلى مختبراتنا، مختبراتنا تفحص كل الاسمدة الآزوتية المستوردة، وقد كانت النسبة المسموحة منذ 10 سنوات 30 بالمئة، ثم تم تعديلها إلى نسبة 33.5 بالمئة وفقا لتعليمات قيادة الجيش، والمصلحة رفضت دائماً كل الاسمدة إذا تخطت نسبة النيترات 33.5 بالمئة، وكنا نبلغ قيادة الجيش لكي ترفض الاسمدة”.
وتابع افرام: “في السنوات الاربع الاخيرة لم يعد يرد الى لبنان نترات أمونيوم غير مطابق للمواصفات، والمصلحة لم يردها سابقاً عينات من نترات الامونيوم التي انفجرت لفحصها، لذا يرجح ان تكون أدخلت الى المرفأ دون الفحص الاجباري”.
مبادرة نحن منعمرها
وقد نظم مجموعة من المهندسين من اختصاصات عدة بمبادرة “نحن منعمرها” واستقدموا متطوعين ومساعدات عينية للمساعدة في الكشف عن البيوت المتصدعة، والمساعدة في إزالة الأنقاض والأضرار، وإصلاح المنازل وبالطرق المتاحة، فضلا عن مجموعة أخرى تطوعت باستقدام عمال مياومين لجمع الردم في محيط الإنفجار.
سكاف
من جهة ثانية، أشار رئيس جمعية “غرين غلوب” والناشط في الحراك المدني سمير سكاف أنه تقدم من محافظ ورئيس بلدية بيروت بخطة متكاملة للردم في منطقة الإنفجار، وأنه قد تبلغ من محافظ بيروت أن مدينة بيروت ستسير باقتراحه البيئي بتخصيص إحدى ساحات المرفأ لجمع وفرز نفايات حطام وركام النفايات الناتجة عن الأنفجار المرفأ، أي الزجاج وحده والالومنيوم وحده، بهدف إعادة تدوير كل مادة وتجنبا لطمر كل شيء.
بلدية بيروت
وتوازيا، أصدرت بلدية بيروت بيانا، جاء فيه: “بعد الإنفجار المأساوي في مرفأ بيروت، وفي ظل الدمار الهائل في المدينة، خصصت بلدية بيروت قطعة أرض في الكرنتينا لجمع الحطام والزجاج من المناطق المتضررة. وذلك بالتعاون مع مبادرة حُسن الجوار في الجامعة الأميركية في بيروت، وشركة التنمية ش.م.ل، وجمعية آركنسيال، ومبادرة إعادة تشجير لبنان، وبرنامج الأمم المتحدة للمستوطنات، وبالشراكة مع Nestle وSpinneys وDiageo وReel-ly، حيث سيتم جمع الحطام والزجاج والأثاث المتضرر والإلكترونيات والمخلفات الكهربائية وفرزها من أجل إعادة تدويرها، كذلك سيتم إستعمال الحطام والزجاج غير القابل لإعادة التدوير لإعادة تأهيل مواقع كساراتنا”.
ووجهت البلدية نداءً “لكل من يقوم بإزالة الأنقاض سواء ضمن مجموعات منظمة أو منظمات غير حكومية أو مبادرات شخصية متمنيةً عليهم فرز الزجاج وجمعه في أكياس منفصلة عن جميع المواد الأخرى! لأن هذا سوف يسهل بشكل كبير عملية إعادة التدوير. ولأولئك الذين يقومون بنقل الحطام والزجاج، يرجى عدم رميها في حاويات النفايات، وأخذها إلى الأرض التابعة لبلدية بيروت، الكرنتينا، مقابل مطاحن باكاليان”.

أنور عقل ضو

اظهر المزيد

أنور عقل ضو

صحافي في جريدة "السفير" منذ العام 1984 إلى حين توقفها عن الصدور. عمل في العديد من المؤسسات الإعلامية في لبنان والعالم العربي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: