ملفات ساخنة

دروز لبنان بين تراجع الدور وهواجس الشراكة: أزمة الطائف وحدود الدولة

د. هشام الأعور

في لبنان، لا يمكن قراءة القلق الدرزي بمعزل عن القلق المسيحي أو السنّي أو الشيعي، لأن الأزمة اللبنانية لم تعد مجرد خلاف على السلطة أو على توزيع الحصص، بل تحوّلت تدريجياً إلى أزمة وجود سياسي للجماعات نفسها داخل كيان فقد قدرته على إنتاج معنى الدولة.

ومن هنا، تبدو خطورة المرحلة الحالية في أنّ البلاد تقترب أكثر فأكثر من لحظة إعادة فرز الطوائف على قاعدة الأحجام والقوة والتحالفات الخارجية، لا على قاعدة الشراكة الوطنية. وهذا تحديداً ما يجعل الحديث عن الحرب الأهلية ليس مجرد تهويل سياسي، بل احتمالاً كامناً داخل البنية اللبنانية نفسها.

لقد أرسى اتفاق الطائف نهاية الحرب، لكنه لم يؤسس فعلياً لدولة. أنهى القتال، لكنه لم ينجح في إنهاء النظام الذي أنتج القتال. نقل جزءاً من الصلاحيات، وعدّل في التوازنات، وأعاد توزيع النفوذ، لكنه ترك الطوائف أكثر التصاقاً بخوفها التاريخي وأكثر ارتهاناً لمعادلات القوة الإقليمية.

والنتيجة أنّ لبنان بقي يعيش داخل “شكل دولة”، فيما السلطة الحقيقية موزعة بين الجماعات. ففي الدول الطبيعية، تكون الطوائف جماعات روحية وثقافية داخل دولة قوية. أما في لبنان، فالدولة نفسها تحوّلت إلى مساحة تفاوض بين الطوائف، وباتت المؤسسات مجرد انعكاس لموازين القوى لا مرجعية وطنية فوقها.

ومن بين أكثر الجماعات التي شعرت تدريجياً بتراجع حضورها داخل السلطة بعد الطائف، كانت الطائفة الدرزية. فالدروز الذين شكّلوا إحدى الطوائف التأسيسية للكيان اللبناني، ودفعوا أثماناً كبرى في صياغة الجبل والكيان والمعادلة الوطنية، وجدوا أنفسهم مع الوقت ينتقلون من موقع الشريك المؤثر إلى موقع “الرقم المكمّل” داخل النظام.

فالاتفاق الذي وعد بتعزيز الميثاقية عبر إنشاء مجلس شيوخ تُعطى رئاسته للطائفة الدرزية، بقي حبراً على ورق. ومع سقوط هذا البند، خسر الدروز إحدى الضمانات السياسية التي كان يمكن أن تؤسس لتوازن وطني أكثر استقراراً، وتمنحهم دوراً يتناسب مع رمزيتهم التاريخية في الحياة اللبنانية.

لكن الأزمة لم تكن فقط في النصوص، بل في الأداء السياسي نفسه. إذ إنّ جزءاً من القيادة الدرزية التقليدية انخرط خلال العقود الماضية في سياسة التسويات اليومية وإدارة التوازنات اللحظية، أكثر مما انخرط في معركة تثبيت الموقع الوطني للطائفة داخل الدولة. ومع الوقت، تحوّل الخطاب من مشروع شراكة وطنية إلى مجرد محاولة دائمة لتفادي الخسائر أو التموضع بين المحاور، حتى بدا وكأنّ الهواجس الدرزية تُدار بمنطق “النجاة السياسية” لا بمنطق بناء الدور.

وهنا تكمن المفارقة اللبنانية الكبرى: فكلما ضعفت الدولة، ظنت الطوائف أنّ قوتها تكمن في المزيد من الانغلاق. بينما الحقيقة أنّ الطوائف نفسها تبدأ بالاهتزاز عندما تغيب الدولة الجامعة. لأن الجماعة، مهما امتلكت من نفوذ أو سلاح أو تحالفات، تبقى عاجزة عن حماية نفسها إلى الأبد خارج إطار شرعية وطنية عادلة.

ولهذا، فإنّ أخطر ما يواجه لبنان اليوم ليس فقط الانقسام السياسي، بل تحوّل كل طائفة إلى مشروع خوف مستقل. الدروز يشعرون اليوم بأنّ دورهم التاريخي يتراجع تدريجياً داخل السلطة والإدارة ومراكز القرار، وأنّ الصيغة اللبنانية التي قامت على التوازن والشراكة بدأت تميل نحو أحجام سياسية أكبر تتحكم بمسار الدولة ومصيرها.

وفي ظل هذا المشهد، يصبح الحديث عن الدولة ضرورة وجودية لا ترفاً فكرياً. لأن استمرار لبنان كاتحاد طوائف متقابلة يعني بقاءه رهينة الانفجار الدوري. فلا يمكن بناء وطن إذا كانت كل جماعة تبحث عن راعٍ خارجي أو عن توازن رعب داخلي يحميها من الجماعات الأخرى.

الدولة وحدها تُنهي منطق الأقليات والأكثريات السياسية. والدولة وحدها تجعل الطائفة جماعة مؤمنة روحياً وثقافياً لا كياناً سياسياً موازياً. أما استمرار المحاصصة، فلن يؤدي إلا إلى مزيد من التفكك، حيث تصبح المؤسسات مجرد واجهة فيما القرار الحقيقي يبقى موزعاً بين العصبيات والهواجس.

لبنان اليوم أمام خيار مصيري: إما الانتقال إلى مشروع دولة فعلية تُعيد إنتاج المواطنة والشراكة العادلة بين الجميع، وإما البقاء داخل نظام الطوائف الذي لا يُنتج سوى الأزمات المؤجلة. لأن الأوطان لا تعيش بالخوف المتبادل، ولا تُحمى بتوازن الرعب، بل بعقد وطني يشعر فيه الجميع أنهم شركاء لا جماعات تنتظر دورها في الصراع التالي.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى