ملفات ساخنة

الإمارات أمام اختبار دمشق.. هل تنجح دعوات “الاعتدال” في تفكيك إرث التطرف؟

أعاد اللقاء الذي جمع مسؤولين دينيين من الإمارات ودمشق حول “الفتاوى المعتدلة” و”مواجهة الأفكار المتطرفة” فتح باب الأسئلة الثقيلة حول طبيعة السلطة الحاكمة في سوريا اليوم، وإمكانية الحديث فعلياً عن خطاب ديني عصري في ظل هيمنة شخصيات وفصائل ارتبطت طوال السنوات الماضية بالتشدد السلفي والتنظيمات الجهادية التي تحولت لاحقاً إلى جزء من بنية الحكم والأجهزة الأمنية.

وخلال اجتماع عُقد على هامش المنتدى الاستثماري السوري الإماراتي في دمشق، بحث رئيس الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف والزكاة في الإمارات الدكتور عمر حبتور الدرعي مع مفتي دمشق أسامة الرفاعي مسألة توحيد الجهود لإصدار فتاوى “تواكب العصر” وتعزز “تماسك المجتمع” وتواجه “الأفكار المتطرفة”، في خطوة حملت طابعاً دينياً وسياسياً في آن واحد.

لكن هذا الخطاب التصالحي يصطدم، وفق متابعين وناشطين، بواقع ميداني مختلف تماماً داخل مناطق سيطرة الجولاني، حيث تتزايد الاتهامات للأجهزة الأمنية والشخصيات الدينية المتشددة بالتورط في انتهاكات واسعة طالت النساء والأقليات والمعارضين، وسط تمدد واضح للخطاب السلفي داخل مؤسسات الدولة الجديدة، وتحويل المؤسسات الدينية إلى أدوات تعبئة وضبط اجتماعي أكثر من كونها منصات إصلاح واعتدال.

وتأتي هذه التحركات السياسية والدينية في وقت تعيش فيه مناطق سورية عديدة حالة احتقان متصاعدة، من الساحل السوري الذي انفجرت فيه ملفات الخطف والإخفاء القسري بحق نساء من الأقليات، إلى السويداء التي ما تزال تواجه حصاراً خانقاً وأزمات معيشية وأمنية متواصلة، وسط اتهامات للجماعات المسلحة المرتبطة بدمشق بارتكاب انتهاكات واسعة وفرض سياسة الأمر الواقع بالقوة.

ويرى مراقبون أن الرهان على “إصلاح ديني” من داخل البنية الحالية يبدو بالغ التعقيد، في ظل استمرار نفوذ القيادات المتشددة داخل مفاصل القرار الأمني والعسكري والدعوي، ما يجعل أي حديث عن الاعتدال أو محاربة التطرف عرضة للتشكيك الشعبي، خاصة مع تنامي الشعور بأن الخطاب الرسمي يحاول تقديم صورة مختلفة للخارج، بينما تستمر الوقائع اليومية على الأرض في تكريس الخوف والانقسام والهيمنة العقائدية.

كما يلفت ناشطون إلى أن المجتمع السوري لم يعد يراقب فقط شكل الفتاوى والخطابات الصادرة عن المؤسسات الدينية، بل بات يقيس صدقية أي حديث عن “الاعتدال” من خلال سلوك الأجهزة الأمنية وتعاملها مع المدنيين وملفات الحريات والنساء والأقليات، وهي الملفات التي تحولت إلى مصدر ضغط داخلي وخارجي متزايد على دمشق خلال الأشهر الأخيرة.

وفيما تسعى الإمارات إلى تقديم مقاربة دينية أكثر انفتاحاً وتوازناً في المنطقة، تبقى الأسئلة معلقة حول مدى قدرة هذا المسار على إحداث تغيير فعلي داخل بيئة سياسية وأمنية ما تزال، بالنسبة لكثير من السوريين، محكومة بعقلية الإقصاء والتشدد، لا بروح الدولة المدنية التي يجري الترويج لها في اللقاءات الرسمية.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى