من “جوهرة المتن” إلى إمبراطورية النفوذ؟

عامر ملاعب
كيف تحوّل هادي أبو الحسن من موظف تأمين إلى لاعب يمسك بخيوط المتن الأعلى؟
في السياسة اللبنانية، لا يصعد بعض الأشخاص عبر البرامج والأفكار فقط، بل عبر شبكة معقدة من العلاقات، المصالح، والخدمات، إلى درجة يصبح معها النفوذ الشخصي أقوى من مؤسسات الدولة نفسها. هكذا يصف خصوم النائب هادي أبو الحسن مسيرته داخل الحزب التقدمي الاشتراكي، معتبرين أن الرجل الذي بدأ حياته الحزبية كأي محازب عادي، استطاع بمرور السنوات أن يتحول إلى “مركز قوة” يتحكم بمفاصل واسعة داخل المتن الأعلى، سياسيًا، بلديًا، وحتى أمنيًا وإداريًا.
بحسب روايات متقاطعة من ناشطين ومصادر داخل البيئة الاشتراكية نفسها، بدأ أبو الحسن مسيرته المهنية في مجال التأمين وبيع البوالص، قبل أن ينجح تدريجيًا في نسج علاقات متينة مع مسؤولي المنطقة والقيادات الحزبية المحلية، وصولًا إلى الاقتراب من الدائرة الضيقة المحيطة بالمرجعية الجنبلاطية.
مصدر اشتراكي يختصر هذه المرحلة بجملة لافتة: “زرعوه فاقتلعهم”.
فالرجل الذي أُعطي فرصة تنظيمية داخل الحزب عبر موقع “وكيل داخلية المتن”، لم يكتفِ بإدارة الشأن الحزبي التقليدي، بل بدأ – وفق منتقديه – ببناء شبكة نفوذ خاصة به، مستفيدًا من موقعه التنظيمي وعلاقاته المتشعبة داخل الإدارات والبلديات والأجهزة.
التحول الأكبر جاء مع عزوف النائب السابق أيمن شقير عن الترشح، حين اختار وليد جنبلاط هادي أبو الحسن مرشحًا عن المقعد الدرزي في بعبدا. يومها، ساعد القانون النسبي في إيصال “جوهرة المتن” إلى البرلمان، وهو اللقب الذي أطلقه عليه جنبلاط نفسه وتحول لاحقًا إلى جزء من صورته السياسية والإعلامية.
لكن المفارقة، بحسب خصومه، أن الرجل الذي رفع شعار “حماية البيئة” خلال حملته الانتخابية، وجد نفسه لاحقًا في قلب واحدة من أكثر الملفات إثارة للجدل في المنطقة: ملف المرامل والكسارات.
في تلك المرحلة، ومع ما عُرف بسياسة “المهل” التي ارتبطت بوزير الداخلية الأسبق نهاد المشنوق، عادت بعض المقالع والكسارات إلى العمل تحت غطاء قانوني ملتبس، وسط اعتراضات بيئية وشعبية واسعة. وهنا، تتهم مصادر معارضة لأبو الحسن بعض البلديات المحسوبة على الحزب الاشتراكي، وبغطاء سياسي مباشر، بالدخول في ترتيبات مالية وتشغيلية مرتبطة بملف استخراج الرمل، عبر عقود وشركات جرى تسويقها باعتبارها “شرعية”.
الأخطر في الروايات المتداولة ليس فقط الجانب البيئي، بل الحديث عن “غرفة عمليات” لإدارة الأعمال والتوزيع والمحاصصة السياسية، حيث يؤكد ناشطون أن عدداً من المحازبين كانوا يجاهرون بأن أعمالهم ومواقعهم جاءت نتيجة “تدخل مباشر من سعادة الجوهرة”.
ومع تصاعد الاعتراضات، دخل ناشطون بيئيون وقوى سياسية على الخط، معتبرين أن ما يجري ليس مجرد مشروع استثماري، بل “صفقة” قائمة على استغلال النفوذ السياسي والحزبي تحت عنوان التنمية.
لكن ملف البيئة ليس سوى جزء من الصورة الأكبر.
فمنتقدو أبو الحسن يتهمونه باستخدام موقعه الحزبي والسياسي لحماية محازبين ومقربين في ملفات مختلفة، بعضها يتصل بإشكالات أمنية أو مذكرات توقيف أو تدخلات لدى الأجهزة. وتُتداول في هذا السياق شهادات ومواقف تتحدث عن وساطات وضغوط مورست لمنع ملاحقات أو لتخفيف إجراءات بحق محسوبين على خطه السياسي.
وفي هذا الإطار، يعيد بعض الناشطين التذكير بحادثة إطلاق النار التي استهدفت ناشطين من الحزب السوري القومي الاجتماعي خلال مناسبة حزبية كانوا يحيونها عبر إضاءة الشموع، حيث جرى التداول يومها باتهامات تفيد بأن مطلق النار حظي لاحقًا بحماية سياسية، وأنه أُخفي لفترة داخل منزل تابع لهادي أبو الحسن أو ضمن دائرة نفوذه، وهي روايات بقيت في إطار التداول السياسي والإعلامي ولم يصدر بشأنها أي حسم قضائي علني حتى اليوم.
كما يذهب بعض معارضيه أبعد من ذلك، عبر الحديث عن نفوذ واسع داخل البلديات في المتن الأعلى، من خلال فرض توظيفات سياسية، أو حماية موظفين لا يمارسون أعمالهم الفعلية، في مشهد يراه خصومه نموذجًا عن الزبائنية السياسية التقليدية التي دمّرت الإدارة اللبنانية.
وتبرز أيضًا حادثة المدعو “م.ط”، الذي أعيد اسمه إلى الواجهة بعد إشكال إطلاق النار الأخير، فيما يتداول أبناء المنطقة روايات قديمة عن تورطه سابقًا بإطلاق النار على رئيس بلدية قبيع الراحل أكرم الأعور داخل مكتبه البلدي، قبل أن تنتهي القضية بمصالحة ورعاية سياسية أسقطت الادعاء لاحقًا، بحسب الروايات المتداولة.
وفي خلفية المشهد، تعود حادثة الاعتداء الأخيرة على أبو الحسن لتفتح باب الأسئلة مجددًا حول طبيعة البيئة المحيطة بالزعامة المحلية، وحدود العلاقة بين النفوذ السياسي والسلاح والعصبيات الحزبية، خصوصًا مع الحديث عن خلافات داخلية وملاسنات سبقت الحادثة.
اللافت أن بعض المنتقدين يعتبرون أن “جوهرة المتن” لا يتقبل بسهولة أي صوت سياسي آخر داخل المنطقة، حتى لو كان من حلفاء تاريخيين أو شخصيات درزية بارزة، مستشهدين بحالة الانزعاج التي قيل إنه أظهرها سابقًا تجاه مواقف للأمير طلال أرسلان حول ملف الرمل والمرامل.
ورغم كل هذه الروايات والاتهامات السياسية المتداولة، يبقى السؤال الأهم:
هل ما يُحكى عن هادي أبو الحسن مجرد حملة سياسية تستهدف نفوذه المتصاعد داخل الجبل والمتن الأعلى؟ أم أن خلف الضجيج ملفات تحتاج فعلًا إلى تحقيق شفاف يكشف أين تنتهي السياسة… وأين يبدأ استغلال النفوذ؟
في لبنان، لا يتحول بعض النواب إلى “زعماء مناطق” فقط عبر صناديق الاقتراع، بل حين تصبح البلديات، الوظائف، الخدمات، وحتى بعض مفاصل الأمن والقضاء، تدور في فلك الاسم نفسه.
وهناك… تبدأ الدولة بالتراجع لمصلحة “الإقطاع الحديث” بثوب حزبي جديد.



