سياسة

الحرب على إيران وتداعياتها: لماذا يتشابه مستقبل العراق ولبنان؟

بقلم: د. هشام الأعور

لم تعد التطورات المتسارعة في العراق ولبنان قابلة للفصل عن المشهد الإقليمي الأوسع المرتبط بالحرب الأميركية ـ الإسرائيلية المفتوحة على إيران، لأن المنطقة بأكملها دخلت مرحلة إعادة تموضع سياسي وأمني تتداخل فيها الضغوط الدولية مع حسابات الداخل، وتتشابك فيها ملفات الحكومات والسلاح والاقتصاد والتسويات الحدودية ضمن سياق واحد يتجاوز حدود كل دولة على حدة.
في العراق، أثار تكليف علي الزيدي بتشكيل الحكومة نقاشاً واسعاً لم يرتبط فقط بشخصه أو بخلفيته الاقتصادية وعلاقاته الإقليمية والدولية، بل بطبيعة المرحلة التي يدخلها العراق نفسه. فالرجل يُقدَّم من قبل داعميه بوصفه شخصية تمتلك مقاربة اقتصادية مختلفة، وقادرة على فتح قنوات تواصل أوسع مع العالم العربي والخليج، في لحظة يحتاج فيها العراق إلى إعادة تنشيط اقتصاده واستقطاب الاستثمارات وتخفيف الضغوط المتراكمة عليه.
وفي المقابل، تنظر قوى أخرى إلى المرحلة بكثير من الحذر، ليس بالضرورة بسبب نيات رئيس الحكومة أو خياراته الشخصية، بل بسبب حجم التعقيدات التي تحيط بالعراق، ومحاولة القوى الدولية والإقليمية استثمار أي تحول داخلي ضمن صراع النفوذ الدائر في المنطقة. فالعراق اليوم يقف عند تقاطع حساس بين المصالح الأميركية والإيرانية والخليجية، ما يجعل أي حكومة فيه معرضة تلقائياً لضغوط متعاكسة يصعب الفصل بينها.
الولايات المتحدة، من جهتها، تبدو معنية بتثبيت مقاربة تقوم على تقليص قدرة إيران على استخدام الساحات الإقليمية كورقة قوة استراتيجية، سواء عبر الضغوط المالية أو عبر إعادة ترتيب التوازنات السياسية داخل الدول الحليفة لطهران. إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة أن أي انفتاح عراقي على واشنطن أو الخليج يُترجم تلقائياً في إطار مواجهة مع إيران، لأن الواقع العراقي أكثر تعقيداً من الاصطفافات الحادة، ولأن بغداد تدرك أن استقرارها يتطلب الحفاظ على هامش توازن بين مختلف القوى المؤثرة.
وهنا يبرز التشابه التدريجي مع الحالة اللبنانية. فلبنان يعيش بدوره مرحلة ضغوط سياسية واقتصادية مرتبطة بمسألة إعادة ترتيب موقعه الإقليمي، خصوصاً في ظل المفاوضات غير المباشرة مع إسرائيل حول الحدود والترتيبات الأمنية جنوباً، والضغوط الغربية المتزايدة المرتبطة بملف السلاح والتوازنات الداخلية.
لكن اللافت أن الساحتين العراقية واللبنانية تتحركان وفق منطق متشابه يقوم على محاولة إنتاج سلطات قادرة على إدارة التسويات المقبلة من دون الانزلاق إلى انفجار داخلي شامل. ففي لبنان، تبدو الدولة مطالبة بإيجاد توازن دقيق بين متطلبات الاستقرار الداخلي وضغوط الخارج، بينما يواجه العراق معادلة مشابهة تتعلق بكيفية حماية علاقاته الإقليمية المتشابكة من دون التحول إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
ومن هنا يمكن فهم التحركات الإقليمية الأخيرة، ومنها الانفتاح العربي المتدرّج على سوريا وزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع وما رافقها من رسائل سياسية تتعلق بإعادة إدماج دمشق ضمن التوازنات الجديدة. فسوريا تدرك أن أي تحول كبير في العراق أو لبنان سينعكس مباشرة عليها، سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي أو السياسي، لذلك تحاول التموضع ضمن مساحة وسطية تتيح لها توسيع علاقاتها العربية من دون خسارة تحالفاتها التقليدية.
كما أن إسرائيل تبدو حريصة على استثمار اللحظة الإقليمية الحالية لتوسيع هامش نفوذها السياسي والأمني، ليس فقط عبر التصعيد العسكري ضد إيران، بل أيضاً عبر الدفع نحو ترتيبات جديدة في الدول المحيطة بها، سواء من خلال المفاوضات أو عبر إعادة صياغة أولويات المنطقة تحت عنوان الاستقرار والأمن.
غير أن تعقيدات الواقعين اللبناني والعراقي تجعل أي محاولة لفرض تحولات سريعة محفوفة بالمخاطر. فالتوازنات الداخلية في البلدين قائمة على تشابكات طائفية وسياسية وإقليمية عميقة، وأي اختلال كبير فيها قد يقود إلى توترات يصعب احتواؤها.
لذلك، تبدو المرحلة المقبلة أقرب إلى مرحلة إدارة توازنات دقيقة لا إلى حسم نهائي للمحاور. فالعراق، كما لبنان، يحاولان تجنب التحول إلى ساحة كسر عظم مباشرة بين الولايات المتحدة وإيران، في وقت تدفع فيه التحولات الإقليمية نحو إعادة رسم خرائط النفوذ والتحالفات في الشرق الأوسط كله.
وفي ظل هذا المشهد، فإن التقارب بين الساحتين العراقية واللبنانية لا يكمن فقط في طبيعة الأزمات التي تواجههما، بل في كونهما يقفان اليوم أمام السؤال نفسه: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار الداخلي وسط صراع إقليمي مفتوح لم تتضح بعد ملامح نهايته؟

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى