منوعات

الأسمر من قيادة الإضراب إلى طاولة التفاهمات

لم يكد الرئيس العماليّ الدكتور بشارة الأسمر يُحدّد موعدَ الإضراب الشامل يوم الأربعاء، ويتأهّب لقيادة الكادحين في منازلتهم للسلطات اللبنانية، دفاعاً عن حق المواطنين بالعيش الكريم، ورفضاً لرفع الدّعم عن السّلع الأساسية والأدوية، إذ به يُعلن تعليق الإضراب وانكفاء الاتحاد العماليّ العام إلى الحوار، فحرم الجمهورَ نشوةَ الاقتصاص من الطبقة الحاكمة، وأوقع النّاس فريقين: الأول يؤكّد رؤيتَه المعارِضة لسياسة الاتحاد، ويغتنم المناسبة لاتّهام الاتّحاد بتلقّي إيحاءات رسميّة، والآخر يرى في سياسة القيادة العمّاليّة حكمة ونظراً؛ وهو (الأسمر)- بلغته المطواعة – يخوض الحروب الافتراضيّة، ويشدّد مرّة تلو أخرى على أنّه ملتزم نضاله حتّى آخر الخيارات، ولو تطلّبت مواجهات واقتحامات ومدافع.

الاتحاد العمالي يعلّق الإضراب

وفي بيانٍ ألقاه، بعد اجتماع هيئة مكتب المجلس التنفيذيّ للاتحاد العماليّ العام، أعلن الأسمر “ملاحقة كلّ القضايا المعيشيّة والاقتصاديّة مع المراجع المختصّة من وزراء معنيّين وكتل نيابيّة ومسؤولين واتخاذ القرارات المناسبة في حينه”، وذلك على الرّغم من أنّه انتقد بشدّة طرق المعالجة “القاصرة من قبل الحكومة المستقيلة ووزرائها”، ولاحظ “التعثّر المتزايد في تشكيل حكومة جديدة، بل سجّل “نفاد صبرنا (الاتحاد) وصبر اللبنانيين من الجلسات المكوكيّة التي لم تؤدِّ إلى أية نتيجة إيجابية على أيّ صعيد كان”.

ويُبرّر الاتحاد تعليق الإضراب بالشعور “بالمسؤولية وبالخطر من انفلات الأمور، معوّلاً على “مشاورات مع رئيس الحكومة وعدد من الوزراء المعنيين للبحث تحديداً في موضوع رفع الدعم عن الموادّ الأساسية كالمحروقات والدواء والقمح والطحين”.

الاتحاد العمالي يذهب إلى التفاهمات

وفي سياق استيضاح حيثيّات الموقف الاتّحادي الأخير، التقى “أحوال” قياديّاً في الاتحاد العمّالي العام، فأعاد الإعلان عن “التفاهمات التي حصلت مع رئيس مجلس الوزراء والوزراء المعنيّين…” في الوقت الذي اعترف بأنّ “الحلولٌ آنية، لكنّها قد تُعطي متنفّساً للفقراء والعمال من الشعب اللبناني في هذه المرحلة بالذات حتى لا يقع الجمهور تحت ضغط اقتصاديّ كبير”.

ويُشير القيادي إلى دورٍ للاتحاد في تصويب سياسات الدّعم والترشيد الاقتصادي، ويقول: “جرت مراجعة للسلة الغذائيّة التي كانت تتضمن 300 صنف، وتمّ ترشيدها راهناً لتشمل 170 صنفاً، ونعمل على أن تصل إلى 30 صنفاً لنبقي على الأساسيّات، بانتظار ما يُحكى عن بطاقات تمويليّة أو تموينيّة، يجب على الاتحاد أن يكون شريكاً فيها”. محذّراً من رفع الغطاء عن أيّ بطاقة لا يجري التنسيق بشأنها مع الاتحاد.

وينفي النقابي تواني الاتحاد عن القيام بمسؤولياته، ويُذكّر بخطوات قام بها الاتحاد، فيقول: “نحن كاتحاد عماليّ عام بادرنا وحدنا منذ عدّة أشهر إلى رفع الصوت بشأن رفع الدعم، ووقفنا مع أهالي الطلاب في الخارج حتى استحصلوا على القانون ذي الرقم 193، ونزلنا إلى الشارع دعماً لمطالب العاملين المصروفين من الجامعة الأميركية ومن مؤسسات أخرى كثيرة…”.

ويرفض الاتحادي اتهامات المعارضين للقيادة العماليّة الرسمية، ويأخذ عليهم رفع الشعارات دون مضامين عمليّة وجدّية، ويقول: “رفعنا شعارات حيث تخلّف غيرنا عن رفع أيّ شعار أو أيّ مطلب،…ونحن أوّل من رفع الصوت للحفاظ على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي ووقفنا ضد رفع أقساط الجامعات (الجامعة الأميركية) ونرفع الصوت والسّقف، وقد نصل أو لا نصل نظراً للظروف والانهيار في البلد”.

معارضة الاتحاد مسيّسة؟

في الجهة المقابلة، ثمة معارضة نقابيّة لسياسات الاتحاد العمالي عموماً، ولخطوة الإضراب خصوصاً، يتحدّث باسمها كاسترو عبد الله (رئيس الاتحاد الوطني لنقابات العمّال والمستخدمين في لبنان) الذي يرى أن “الدّعوة اليوم هي جزء من اللعبة السياسية الموجودة، فهذا الاتحاد (دون الرجوع إلى العام 2011 تاريخ آخر معركة تصحيح للأجور) تخاذل وتراجع عن دوره، ولم ينفّذ ما كنا اتفقنا عليه قبل انسحابنا من الاتحاد العمالي العام بتاريخ 12-12-2012، وذهب إلى إجراء توافق مع الهيئات الاقتصادية، وتآمر في تخفيض اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي”.

الحد الأدنى للأجور ضحية تخاذل الاتحاد

ويسجّل كاسترو تخاذلاً اتّحادياً آخر في موضوع الحدّ الأدنى للأجور حيث يقول: “وفي المرة الثانية، توافقت الحكومة على تصحيح الأجور وجعل الحدّ الأدنى 600 دولار، أي 937000 ليرة، لكنّهم (الاتحاد برئاسة غسان غصن) وقّعوا اتفاقية (على ورقة  A4 في القصر الجمهوري) على 450 دولاراً، أي 675000 ليرة لبنانية، ومن دون تقديمات اجتماعية، ومن دون ضمّها إلى أساس الراتب، وهي بدل النقل ومنح التعليم وتصحيح الوضع في الضمان الاجتماعي”.

الاتحاد شمّاعة تعمل غبّ الطلب!

ويغمز النقابي عبد الله من قناة اتحادات النقل…ويقول: “نرى بعض الاتحادات كانت تعمل غبّ الطلب، مرّةً في النقل، ومرّةً في الكهرباء، ومرّةً في الضمان الاجتماعي…وهذه الدعوة غبّ الطلب!”.

من جهة ثانية، يُسجّل عبد الله تواضع شعارات الاتحاد المرفوعة وبقاءها دون المستوى المطلوب، معتبراً أن “الحركة الشعبية قد سبقت الاتحاد ذا السقف المتدنّي والشعارات الضعيفة بالنسبة إلى حركة 17 تشرين”، متوقّعاً ألا “تتجاوب أحزاب السلطة مع الاتحاد فيما الضغط حاصل من انتفاضة 17 تشرين وتراكمات التحركات الشعبية والمستمرّة حتى اليوم؛ وعليه أصبحت السلطة مضطرة إلى تقديم شيء، وحتى لا يقولوا إننا تنازلنا تحت ضغط الشارع بل نحن قدّمنا تحت ضغط الحركة الشعبية المناضلة، وشمّاعتهم في ذلك هي الاتحاد العمالي العام، وهذا جزء من عودة بشارة الأسمر إلى الشارع”.

الحريرية أتت بالمذهبية وإملاءات صندوق النقد

ويقدّم قناعة أن الاتحاد “خاضع لمراكز سياسية عليا، وموضوع الاصطفافات الحزبية والمحاور ليس أمراً جديداً عليه، منذ أن هيمنت عليه القوى الحزبية والطائفية والمذهبية التي اعتمدت “سياسة” تفريخ النقابات”.

ويؤرّخ عبد الله لبداية استهداف الحركة النقابية بوصول الحريرية السياسية إلى السلطة في لبنان: “فبمجيء الحريرية السياسية توافق أحزاب السلطة والطوائف والمذاهب على ضرب الشارع الذي يشكّل سلاح الحركة النقابية، وذلك لمصلحة البرنامج والأهداف الاقتصادية التي وضعتها الحكومة، بناء على إرشادات وإملاءات صندوق النقد والبنك الدولي، وبدأت سياسة الاستدانة والأعمال …”.

ولا يرى عبد الله مخرجاً إلا ” بالتحول إلى عمل نقابيّ ديمقراطيّ، بعد رفع الأحزاب أيديها عن النقابات والتصديق على الاتفاقية ذات الرقم 87، ومنح الحرية للعمل النقابي، لتقوم النقابات – من ثَمَّ – بإعادة تشكيل نفسها وطرح برنامج وخطة عمل لاستعادة الحقوق”.

السلطة تحتوي الاتحاد بعد الطائف

من جهته، يعتبر د. خليل حسين (أستاذ العلوم السياسية في الجامعة اللبنانية) في حديثه إلى “أحوال” أن “الواقع المزري والمؤسف والتململ الكبير، وسط مختلف الشرائح الاجتماعية، لجهة الغلاء والفوضى وعدم وجود مرجعيّة للمواجهة، يُتيح الفرصة لأيّ كيان نقابيّ للتحرك في مواجهة هذا الواقع، فلعلّ وعسى يُسهم في التغيير”.

لكن ذلك – برأي د. حسين – ليس مشجِّعاً لأنّه “في لبنان، حيث التجارب السابقة غير ذات جدوى نتيجة سيطرة السّلطة على قرار الاتحاد العمالي العام والنقابات كافة، نستشرف ضعف أيّ تحرّك وعدم إمكانية تحقيق مطلب ملموس وذي قيمة عمليّة…إلا أنّه ينبغي البدء من مكان ما للتغيير وإحداث خرق ما”.

وينظر د. حسين بريبة إلى تموضع الاتحاد العمالي العام في هيكليّة السلطة واصطفافاتها، فيقول: “لم يتمكّن الاتحاد العمالي العام من أخذ موقعه ودوره الطبيعيّ المفترض في الحياة السياسية والنقابية اللبنانية… فمنذ وطّدت هذه السلطة مواقعها في الحكم بعد اتقاق الطائف تمكّنت من احتوائه وشلّ عمله.. وبات الاتحاد يداً طيّعة إلى جانب سياساتها المدمّرة شعبيّاً، إذ لم يُسجّل تحرّكاً ناجحاً منذ العام ١٩٩٢م، حتى كان في العديد من محطاته مسيّراً وبطريقة احترافية في الشارع لمصالحها وليس لمصالح من يفترض أن يُمثل”.

وبناء على ما تقرّر، يرى د. حسين أنّ “ثمّة متغيّرات يجب أن تحدث لجهة تركيبة الاتحاد عبر إعادة إنتاج هيكلية جديدة تمثل الشرائح العماليّة والمهنيّة وبعيدة عن تدخّل السلطة وسطوتها…فاليوم يعاني الاتحاد العمالي العام شللاً لا مثيل له.. ٢٨ عاماً والاتحاد أصمّ وأبكم ولا حياة لمن تنادي، للأسف الشديد”.

كأنّي بالأسمر وفريقه يرتجزون:

لبّث قليلاً يلحق الهيجا حَمَل*    ما أحسن الموت إذا حان الأجل

لكنّ المؤكّد أنّ القيادة الاتحاديّة لم تكن من الاستشهاديين في وجه سلطة الفساد ومفاصلها الأخطبوطيّة، ولم تقدّر أن المواجهة المفتوحة تخدم الوضع اللبناني، فعادت إلى الطاولة، تكتب من فوقها اتفاقيات، وقد تضطرّ – من تحتها – إلى مدّ أيادٍ وتسويات.

طارق قبلان

طارق قبلان

مجازٌ في الصحافة واللغة العربيّة. كاتب في السياسة والثقافة، وباحث في اللهجات والجماعات الإسلامية والحوار الديني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى