سياسة

معركة الأمعاء الخاوية من غاندي إلى الأخرس… ماذا يقول الطب؟

بعد مئة وثلاثة أيام انتصر الأسير الفلسطيني ماهر الأخرس بلحمه الحي، ذاك الحرّ المدجّج بالحق خاض معركة الأمعاء الخاوية حتى النصر. إذ أعلن تعليق إضرابه عن الطعام الذي شرع به منذ تاريخ اعتقاله في 27 تموز 2020، بعد اتفاق يقضي بإطلاق سراحه في 26 من الشهر الجاري، على أن يقضي المدّة المتبقية حتى الإفراج في المستشفى.

الأسير ماهر الأخرس (49 عامًا) لم يكن الأوّل وحتمًا لن يكون الأخير، وبالعودة إلى تاريخ الإضراب عن الطعام فقد استُخدم كوسيلة من وسائل الاحتجاج في إيرلندا ما قبل المسيحية، إلّا أن المثال الصارخ الذي يقفز إلى الأذهان عند الحديث عن هذه الظاهرة يتمثّل بتجربة المهاتما غاندي الذي سُجن منذ العام 1922 لدى الحكومة البريطانية، واتّبع الإضراب كوسيلة مقاومة غير عنفية حتى أخلي سبيله، فقد كرهت الحكومة البريطانية أن يموت وهو في عهدتها نظرًا لمكانته العالمية وتأثر سمعتها بهذا الحدث.

وكان قد سبق تجربة غاندي بأعوام وفي السجون البريطانية أيضًا، حيث خاضت المُطالِبات بحق اقتراع المرأة إضراباً عن الطعام، وكانت الناشطة، ماريون دونلوب، أول من بدأ الإضراب في العام 1909. وقد أُطلق سراحها حينها، حيث أن السلطات البريطانية لم ترغب في إظهارها بمظهر الشهيدة.

وعلى غرار غاندي ودونلوب، أضرب المناصل الهندي، بوتي سريرامولو في العام 1952 عن الطعام، بعد استقلال الهند، للمطالبة بتشكيل ولاية منفصلة، تسمى ولاية “أندرا”، إلّا أنّه توفي بعد 58 يوماً من الإضراب، ونال لقب “الكائن الخالد” مقابل ما قدمه من تضحية.

وإلى كوبا حيث  قام المنشق المسجون بيدرو لويس بوايتيل، بإعلان إضرابه عن الطعام في نيسان من العام 1972، وعاش ما يقارب 53 يوماً على السوائل فقط، مما أدى إلى وفاته.

وبالعودة إلى الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي فقد كانت أول تجربة فلسطينية لخوض الإضراب عن الطعام في سجن نابلس في أوائل عام 1968، حيث خاض المعتقلون إضراباً عن الطعام استمر لمدة ثلاثة أيام، احتجاجاً على سياسة الضرب والإذلال التي كانوا يتعرّضون لها.

وكرّت سُبحة الإضرابات الفلسطينية، من إضرابَي معتقل كفار وسجن الرملة عام 1969 مرورًا بإضرابات سجن عسقلان في الأعوام التالية 1970 و1973 1976 و1977، وصولًا إلى سجن نفحة في الـ 1980، وجنيد 1984 وليس انتهاء بأحد أكبر الإضرابات في التاريخ، حيث بدأت “معركة الأمعاء الخاوية” من داخل سجون الاحتلال الإسرائيلية بتاريخ 17 نيسان 2012 حيث امتنع 1600 أسير فلسطيني عن تناول وجبات الطعام وشمل الإضراب الامتناع عن الشراب أيضًا عدا الماء حتى تتحقق كافة المطالب، ويعدّ هذا الإضراب الأضخم من نوعه في سجون الاحتلال الإسرائيلية.

وبالبحث بالجانب الصحّي، يقول الطب إنّ في أوّل ثلاثة أيام من الإضراب عن الطعام، يقوم الجسم باستخدام الطاقة الممتدة من الجلوكوز، يبدأ بعدها الكبد بمعالجة الدهون في الجسم ليدخل الجسم في وضع الجوع بعد ثلاثة أسابيع، وفي هذه الحالة تنقص العضلات والأجهزة الحيوية في الجسم للحصول على الطاقة، وأيضاً فقدان نخاع العظم الذي يهدّد حياة الإنسان. لذلك يموت بعض المضربين عن الطعام بعد 52 يوماً من بدء احتجاجهم السلمي.

وبهذا الإطار يقول الطبيب أمجد المقهور لـ”أحوال” إنّ المادّة الغذائية المؤثّرة بشكل مباشر على وظائف الجسد هي الغلوكوز، عندما يبدأ الجسد بفقدان هذه المادّة يلجأ أوّلًا إلى المخزون وهو الغلوكوجان، يستخرجه من الكبد والعضلات، وتستمر هذه العملية لأيام ومن ثمّ يلجأ الى مخزون الدهون من الأنسجة العضلية وتستمر هذه العملية بإمداد الجسد بالطاقة اللّازمة للاستمرار على قيد الحياة ولكن دون أي انتاج عضلي حيوي لأسابيع”.

وتعارض اللّجنة الدولية الإطعام القسري أو العلاج القسري؛ فمن الضروري احترام خيارات الأسرى والحفاظ على كرامتهم الإنسانية. ويتفق موقف اللّجنة الدولية من هذه المسألة بشكل وثيق مع موقف الجمعية الطبية العالمية والمعلن عنه  في إعلاني مالطا وطوكيو المنقحين في سنة 2006.

وينص الإعلان الأخير على أنّه: “لا ينبغي اللّجوء إلى التغذية الصناعية في حال قيام سجين برفض الطعام في الوقت الذي يرى فيه الطبيب أنه قادر على اتخاذ حكم عقلاني سليم في ما يخص العواقب المترتبة على رفضه للطعام طوعًا. ينبغي أن يعزز على الأقل طبيب مستقل آخر القرار الخاص بقدرة السجين على إصدار مثل هذا الحكم. ويشرح الطبيب للسجين النتائج المترتبة على امتناعه عن الطعام”.

ويعلن نادي الأسير الفلسطيني في بيانات له عن أسماء أسرى المضربين عن الطعام بسبب اعتقالهم الإداري وهم:

– الأسير طارق قعدان (46 عامًا) من جنين، منذ (28) يومًا.

– الأسير حذيفة حلبية (28 عامًا) من بلدة أبو ديس قضاء القدس، مضرب منذ (58) يومًا.

– الأسير إسماعيل علي (30 عامًا) من بلدة أبو ديس قضاء القدس، منذ (35)يومًا.

– الأسير أحمد غنام (42 عامًا) من مدينة دورا قضاء الخليل، منذ (45) يومًا.

– الأسير سلطان خلوف (38 عامًا)، من بلدة برقين قضاء جنين، منذ (41) يومًا.

– الأسير فادي الحروب (27 عامًا) من بلدة دورا في الخليل، منذ (15) يومًا.

– الأسير جواد جواريش (37 عامًا) من بيت لحم، وهو مضرب منذ (17) يومًا احتجاجًا على عملية نقله المتكررة.

– الأسير ناصر الجدع (30 عامًا) من بلدة برقين في جنين، منذ (21) يومًا.

– الأسير ثائر حمدان (30 عامًا) من بلدة بيت سيرا، منذ (16) يومًا.

 

هذه المعركة لا تتكلّل دائمًا بالانتصار على الاحتلال، اليوم انتصر الأخرس وأطعمته ابنته لأوّل مرّة وسيطلق العدو سراحه قريبًا. للإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي دور كبير في معرفة أسماء الأسرى ونشر صراعهم لتشكيل رأي عام يجبر المحتل للرضوخ.

 

ربى حداد

 

اظهر المزيد

ربى حداد

ناشطة اجتماعية وسياسية وصحافية لبنانية . خريجة معهد الفنون في الجامعة اللبنانية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: