مجتمع

أحراج الجنوب تقضم تمهيداً لفصل الشتاء

يبدو لافتاً أن استمرار الاهمال وغياب الرقابة، في ظل الأوضاع الاقتصادية الخانقة، سوف يؤدي الى القضاء على ما تبقى من أشجار حرجية وكروم في أكثر من منطقة، لا سيما المناطق الجبلية التي باتت تحت رحمة تجار الحطب، والمقيمين سواء من النازحين السوريين أو من اللبنانيين.

يسهل اكتشاف المجازر التي تفتك بالأشجار في بنت جبيل ومرجعيون وصور أيضاً. مشاهد الأشجار المقطوعة تدمع العيون، أما تجار الحطب الذين بدأوا باكراً هذا العام في بيع الحطب، فانهم يتصلون بزبائنهم الذين يزداد عددهم يوماً بعد يوم، لأن “جميع المقيمين في المناطق الجبلية، لن يستطيعوا هذا العام شراء المازوت، بسبب ارتفاع ثمنه، وعليهم أن يؤمنوا باكراً حاجتهم من الحطب”، يقول احد تجار الحطب الذي لفت الى أن “متر الحطب ارتفع ثمنه ليزيد على 3 ملايين ليرة”.

لا يبالي تجار الحطب بأي ملاحقة قد يتعرضون لها بسبب قطع الأشجار، فهم معروفون ويعملون جهاراً، في ظل غياب المراقبين والقوى الأمنية. في المقابل تنتشر المحال التجارية الجديدة المتخصّصة في بيع الأدوات الكهربائية والمنزلية المستعملة، في ظل الأزمة الاقتصادية وارتفاع الأسعار.

لكن ما هو مثير للانتباه تهافت الأهالي على شراء مناشير الحطب، بوتيرة غير مسبوقة، بحسب أحد تجار مرجعيون، الذي أكد أن “الفقراء والميسورين معاً يتنافسون على شراء مناشير الحطب العاملة على الكهرباء والبنزين، والتي رغم ارتفاع ثمنها بسبب ارتفاع سعر الدولار، الاّ أنها هي الأكثر طلباً من الزبائن”.

يرى المزارع أحمد عليان أن “الأهالي يقصدون الحقول المزروعة بالأشجار، ويتنافسون على أخذ الحطب اليابس، لكن المخيف أن يبدأ الأهالي بقطع أشجارهم، بسبب ارتفاع ثمن الحطب والمازوت، فلا بديل هذه السنة عن وجاق الحطب”.

في محمية الحجير المليئة بأشجار السنديان والبلوط المعمّرة، يتم قطع عشرات الأشجار بين فترة وأخرى، ويقدر أحد المتابعين ان عدد الأشجار المقطوعة خلال الأشهر الأخيرة يزيد على 300 شجرة معمر، وهذا لم يكن يحصل سابقاً، بسبب الاهتمام والرقابة.

في هذه المحمية يتسلق أحد رعاة الماعز على احدى الأشجار المعمّرة محاولاً قطع جذع يابس، رغم قيام لجنة المحمية بتوزيع عشرات اللاّفتات التي ترشد الأهالي الى عدم قطع الأشجار والاهتمام بالمحمية، لكن الراعي يقول “لا بديل لنا عن جمع الحطب المجّاني هذا الشتاء لأن المازوت مقطوع”، مشيرا الى أن “عشرات الأهالي يقصدون المحمية وأماكن حرجية أخرى، لجمع الحطب وهذا أمر يساهم في تنظيف الأحراج ومنع احتراق أشجارها”.

تضاعف ثمن الحطب عن الأعوام السابقة (قبل الأزمة) حوالي 10 أضعاف، بحسب التاجر فادي، الذي يعمل على شراء وبيع الحطب منذ 13 سنة، ويقول: “كان ثمن طنّ الحطب لا يزيد عن 250 ألف ليرة، أما اليوم فقد وصل ثمنه الى 3 ملايين ليرة، رغم أن حاجة الأسرة الواحدة لا تقل عن ثلاثة أطنان، لذلك أصبح معظم زبائني من الأغنياء، بعد أن كان الفقراء هم الذين يشترون الحطب لعدم القدرة على شراء المازوت”، ويستدرك أحمد: “لا يعني ذلك أن الفقراء استغنوا عن الحطب، بل باتوا يعملون على جمعه من الحقول والأحراج، لذلك فهم يتنافسون على شراء المناشير الكهربائية المستعملة”.

وباختفاء المازوت وغلاء ثمنه، لم تعد مواقد الحطب خياراً بل “حاجة الزامية لأكثر العائلات الجنوبية”، تقول المزارعة خديجة ترمس، التي بات البحث عن الحطب عمل اضافي لها يضاف الى أعمال المونة البيتية وطبخ الطعام.

تقصد ترمس الحقول القريبة من وادي الحجير، لكن ذلك “لن يكون حلاًّ لأن كمية الحطب قليلة جداً نسبة الى الحاجة اليها، لذلك يتحدث بعض الأهالي اليوم عن امكانية الاستغناء عن المدافىء والاعتماد على مواقد الفحم”.

في وادي ربقين انتشرت صور نشرها الشاعر شوقي بزيع لحرج المحمية التي تضم آلاف الأشجار المعمرة، وتظهر فيها جلياً المساحات الواسعة التي تم قضمها بسبب قطع الأشجار، لكن يبدو أن هذه الصور لم تحرك الدولة ووزاراتها، أما الأهالي فعليهم البحث عن تجار الحطب لشراء الكميات اللاّزمة التي تحميهم من البرد والصقيع.

داني الأمين

داني الأمين

صحافي وباحث. حائز على اجازة في الحقوق من الجامعة اللبنانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى