سياسة

لبنان في قلب التحوّل الإقليمي: ماذا تريد إسرائيل من هذه الحرب؟

بقلم: د. هشام الأعور

مع توجيه إسرائيل إنذارات متتالية لسكان أكثر من خمسين بلدة في جنوب لبنان، إضافة إلى أحياء بأكملها من الضاحية الجنوبية لبيروت وأجزاء من البقاع، بإخلاء مناطقهم، يتجاوز المشهد حدود الإجراء العسكري المرتبط بعمليات ميدانية محدودة. فهذه الإنذارات، بحجمها واتساع نطاقها الجغرافي، تفتح باب التساؤل حول ما إذا كان لبنان يقف أمام مرحلة جديدة قد تعيد إنتاج مشهد التهجير الواسع الذي أعقب الاجتياح الإسرائيلي عام 1982، عندما تبدّلت خرائط السيطرة والسكان لسنوات طويلة.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بإدارة معركة عسكرية على الحدود، بل تبدو أقرب إلى محاولة فرض واقع سياسي وأمني جديد. فإسرائيل، في قراءتها لتجارب الصراع مع لبنان، تعتبر أن الاتفاقات التي حكمت العلاقة غير المباشرة بين الطرفين منذ عقود لم تعد قادرة على إنتاج الاستقرار الذي تسعى إليه. من اتفاق الهدنة، إلى اتفاق 17 أيار الذي سقط سريعاً، وصولاً إلى القرار 1701 بعد حرب 2006، بقيت الحدود الجنوبية مساحة توتر دائم، ولم تتحول إلى جبهة مغلقة كما حصل في حالات أخرى في المنطقة.
انطلاقاً من ذلك، يظهر أن إسرائيل تسعى اليوم إلى ما يتجاوز إعادة تثبيت قواعد الاشتباك أو تعديل ترتيبات أمنية محدودة. الهدف الأبعد، كما تعكسه طبيعة العمليات العسكرية والضغوط المتصاعدة، هو الدفع نحو معادلة سياسية جديدة تُخرج لبنان من حالة الصراع المفتوح، وتضعه تدريجياً في مسار تسويات شبيهة بتلك التي أنهت حروباً تاريخية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.
غير أن الوصول إلى مثل هذه المرحلة، في الحسابات الإسرائيلية، لا يمكن أن يتم من دون تغيير عميق في موازين القوة داخل الساحة اللبنانية نفسها. ولذلك تركز العمليات الحالية على مسارين متوازيين: الأول إحداث ضغط عسكري ونفسي واسع على البيئة الاجتماعية التي تشكل الحاضنة الأساسية لحزب الله، بما يؤدي إلى إنهاكها واستنزاف قدرتها على الاستمرار في معادلة المواجهة الطويلة. أما المسار الثاني فيتمثل في السعي إلى تحقيق إنجاز ميداني واضح عبر توسيع نطاق العمليات البرية بما يتجاوز خط القرى الحدودية، بهدف تعديل قواعد الانتشار العسكري في الجنوب وفرض واقع أمني مختلف.
في هذا السياق، تبدو إنذارات الإخلاء جزءاً من استراتيجية أوسع تسعى إلى إعادة تشكيل الجغرافيا العملياتية للصراع، وليس مجرد إجراء لتخفيف الخسائر المدنية. فإفراغ مناطق واسعة من سكانها يمنح الجيش الإسرائيلي هامش حركة أكبر، ويخلق في الوقت نفسه ضغطاً اجتماعياً وسياسياً على الداخل اللبناني.
ومع ذلك، تبقى الصورة النهائية لما يجري غير مكتملة. فالمنطقة كلها تمر بمرحلة إعادة ترتيب للتوازنات في ظل حرب إقليمية تتداخل فيها حسابات القوى الكبرى مع صراعات النفوذ المحلية. ومن هنا، فإن ما يحدث في لبنان قد لا يكون مجرد جولة جديدة من المواجهة مع إسرائيل، بل حلقة ضمن مسار أوسع يسعى إلى إعادة صياغة خريطة الأمن والسياسة في الشرق الأوسط.
وعند هذه النقطة تحديداً تتبدى خطورة المرحلة: فلبنان لا يواجه فقط تحديات حربٍ حدودية، بل احتمال أن يجد نفسه مرة أخرى في قلب مشروع إقليمي لإعادة تشكيل المنطقة بأكملها.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى