سياسة

“بدعة” الوزارات السيادية:”الخارجيّة” و”الدّفاع” لم تعودا “مغريتين”

مهزلة تزيد التشوّهات المتوارثة في مفهوم المواطنة

إعلانات

لكل وطن بنيته المجتمعية التي تستدعي مراعاة خصوصيته – أكانت عرقية أو ثقافية أو دينية أو لغوية – فالأوطن يجب أن تكون ملجأ الأمان للإنسان وتوفّر له العيش الكريم وحرية المعتقد والرأي لا أن يكون الإنسان رقماً في خدمتها. لكن في حالات عدة، يستغل المسؤولون هذه الخصوصية، فيعمدون الى ترسيخ الهواجس والتستّر خلفها لتعزيز المكاسب الشخصية.

هذه هي حال لبنان مع “بدعة” الوزارات السيادية أو الأصح “مهزلة” اللعبة السياسية بعد الطائف التي كرّست بالممارسة هذا العرف “الفارغ” سوى من المحاصصة الشخصية لا المذهبية، لأن حجز وزارات المال والخارجية والدفاع والداخلية للموارنة والسنة والأرثوذكس والشيعة لا يعطي أي قيمة مضافة لها ولا يوفر أي ضمانات تبدّد هواجس المجموعات بل يكرّس الشعور بالغبن لدى المذاهب الأخرى ويزيد من التشوهات الخلقية في مفهوم المواطنة.

لمحة تاريخية لعرف الوزارات السيادية

في جمهورية 1943، تولت ما يعرف اليوم بالوزارات “السيادية” شخصيات من خارج نادي الطوائف الاربع وتركت بصمات مميزة خلال تسلمها هذه الحقائب ككمال جنبلاط وبهيج تقي الدين وبشير الاعور في وزارة الداخلية، ومجيد إرسلان ونصري المعلوف وجوزف سكاف في وزارة الدفاع، وسليم تقلا وفيليب تقلا وخليل أبو حمد في حقيبة الخارجية.

كان من المفترض أن يشكل إتفاق “الطائف” عام 1989 خارطة طريق للعبور الى إلغاء الطائفية السياسية وتكريس مفهوم المواطن، حيث نصت المادة 95 من الدستور بعد إدخال التعديلات عليه أنه “على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين إتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية لدراسة وإقتراح الطرق الكفيلة بالغاء الطائفية وتقديمها الى مجلس النواب والوزراء ومتابعة تنفيذ الخطة المرحلية. وفي المرحلة الانتقالية تمثل الطوائف بصورة عادلة في تشكيل الوزراة وتلغى قاعدة التمثيل الطائفي ويعتمد الاختصاص والكفاءة في الوظائف العامة والقضاء والمؤسسات العسكرية والامنية والمؤسسات العامة والمختلطة وفقا لمقتضيات الوفاق الوطني باستثناء وظائف الفئة الاولى فيها وفي ما يعادل الفئة الاولى فيها وتكون هذه الوظائف مناصفة بين المسيحيين والمسلمين دون تخصيص اي وظيفة لاي طائفة مع التقيد بمبدأي الاختصاص والكفاءة”.

إلا ان الامور على أرض الواقع سارت بالإتجاه المعاكس، حيث كُرست أعراف في جمهورية الطائف عزّزت المظاهر الطائفية لمصالح شخصية ولم تطمئن الطوائف. أكبر مثال أن تخصيص وزارتين “سياديتين” للموارنة والارثوذكس لم يحل دون قيام ما عُرف بـ”الاحباط المسيحي” في منتصف تسعينات القرن الماضي.

صحيح أن أصوات الوزراء متساوية على طاولة مجلس الوزراء، إلا انه أعطيت تصنيفات للوزارات التي قسمت الى أربع مجموعات. فالى جانب الوزارات السيادية، هناك الوزارات الخدماتية كالصحة، التربية والتعليم العالي، الأشغال العامة والنقل، الإتصالات، الطاقة والمياه، الشؤون الاجتماعية، العدل، العمل، الاقتصاد والتجارة والصناعة. كما هناك الوزارات الثانوية البيئة، الثقافة، الاعلام، الزراعة، الشباب والرياضة والسياحة. أضف الى وزارء الدولة  الذين كانوا يوزّرون فقط لإرضاء أكبر عدد من مكونات الطبقة السياسية حيث تخطت الحكومات عتبة الـ30 وزيراً أحياناً.

مع أول حكومة فعلّية في جمهورية الطائف – شكّلها الرئيس عمر كرامي وأبصرت النور في 24 كانون الاول 1990 – جرى توزيع حقائب المال والخارجية والدفاع والداخلية على الطوائف الاربع. ثم إعتمد ذلك في الحكومات المتعاقبة حتى يومناً (حكومة الرئيس سليم الحص التي أبصرت النور في 25 تشرين الثاني 1989، مع إنتخاب الرئيس الياس الهراوي عُهد الى الكاثوليكي البير منصور حقيبة الدفاع فيها ولكن الإنطلاقة العملية لجمهورية الطائف بدأت مع الانتهاء في 13 تشرين 1990 من واقع الحكومة العسكرية وحالة الجنرال ميشال عون).

خلط أورقاء “الحقائب السيادية”

لا يبدو أن لبنان متجه عملياً للتحرّر من عرف الحقائب السيادية – رغم المزايدات وتسجيل النقاط من قبل بعض الأطراف السياسية عبر الدعوات لـ”الدولة المدنية” أو “إلغاء الطائفية السياسية” أو إعتماد “لبنان دائرة إنتخابية واحدة خارج القيد الطائفي” –  لا بل يحاول الثنائي “حزب الله” و”أمل” اليوم تكريس عرف في العرف، عبر التمسك بحصرية وزارة المال لمصلحة الطائفة الشيعية بحجّة إمتلاك التوقيع الثالث الى جانب توقيع رئيس الجمهورية الماروني ورئيس الحكومة السني.

إلا أن “شراهة” أهل السلطة لكسب أكبر قدر من “المغانم” الوزارية و البحث عن الحقائب “الدسمة”، دفعتهم الى خوض معارك لدخول وزارات تتمتع بنفوذ خدماتي وقدرات مادية، كوزارتي “الطاقة” و”الاتصالات” التي أدى تمسك بعض الأطراف السياسية بهما في الحكومات الأخيرة الى وضعهما في مصاف الوزارات السيادية.

اليوم مع الحديث عن حكومة إنقاذية للسير بالإصلاحات وتطبيق خارطة الطريق الفرنسية وإستعادة الثقة المحلية والدولية، يبدو أن وزارات ستستحوذ على النجومية في المرحلة المقبلة وهي ستصبح “سيادية” من حيث الدور المرتقب أن تلعبه والنفوذ الذي سيتعزز، سيكون لها دور إنقاذي في المرحلة المقبلة والتي يسطلح في لبنان على تسميتها “سيادية” هي وزارات: المال، الإقتصاد، الصحة، التربية، العدل، الطاقة والاتصالات.  فهل ستتحول “سيادية” من حيث شراهة الأطراف السياسية عليها؟!

“الشراهة” على الحقائب السيادية شهدت خلط أورق في الآونة الاخيرة لكن منطق “التمسك بالمكتسبات” يحصّن هذا العرف. فوزارتا الدفاع والخارجية لم تعودا مغريتين اذ دور وزير الخارجية تحوّل الى ساعي بريد في الوقت الحاضر. فالعلاقات الدولية تنسج على مستوى الرؤساء والإتفاقيات الدولية عند رئيس الجمهورية وفق المادة 52 من الدستور وهي تنصّ على أن يتولى رئيس الجمهورية المفاوضة في عقد المعاهدات الدولية وإبرامها بالإتفاق مع رئيس الحكومة. وآخر مثال ملف ترسيم الحدود الجنوبية ودور وزارة الخارجية المحدودة وهو محصور على المستوى التقني لا السياسي. أما وزير الدفاع، فإلامرة الفعلية على الجيش ليست بيده بل بيد قائد الجيش والمجلس العسكري. كما أن رئيس الجمهورية وفق المادة 49 من الدستور “يرأس المجلس الاعلى للدفاع، وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة التي تخضع لسلطة مجلس الوزراء”.

في بلد أثبت عقم طبقته السياسية في السير به نحو مشروع الدولة وإنتهى الامر بشعبه فقيراً وجائعاً ومتروكاً لقدره، ما زالت تتحكم “بدعة” الوزارات السيادية في تشكيل الحكومة لا بل زادت الاعراف أعرافاً. فهل من إنقاذ مرتقب ما لم تتحطم أصنام “اعراف” المصالح الضيقة وتكرس الاعراف التي تـؤمن مصلحة المواطن أولاً؟!

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

اظهر المزيد

جورج العاقوري

صحافي ومعّد برامج سياسية ونشرات اخبار

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى