سياسة

ثوار ١٧ تشرين في عيون أميركية: لم يوحّدوا أهدافهم وليسوا قادرين على التغيير

شينكر يقلب الآية في لقاءاته... فهل تغيّرت النظرة الأميركية تجاه الحراك؟

بعدما اقتصرت زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر مطلع أيلول 2020 بيروت على مجموعات من “ثورة 17 تشرين” وعدد من النواب المستقيلين، ولم تشمل أياً من المسؤولين الرسميين أو السياسيين، “إنقلبت الآية” في زيارته بيروت هذا الأسبوع للمشاركة في الجلسة الإفتتاحية لمفاوضات ترسيم الحدود.
فقد عقد شينكر سلسلة لقاءات مع المسؤولين الرسميين والسياسيين شملت رئيس الجمهورية ميشال عون، رئيس مجلس النواب نبيه بري، رئيسي الحكومة السابقين سعد الحريري ونجيب ميقاتي، رئيس حزب “القوات اللبنانية” سمير جعجع، رئيس الحزب “التقدمي الاشتراكي” وليد جنبلاط، البطريرك الماروني بشارة الراعي ورئيس تيار”المردة” سليمان فرنجية في أول لقاء بعدما شملت العقوبات الأميركية الأخيرة وزير “المردة” يوسف فنيانوس. وقد إستثني من اللقاءات رئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل.

غاب عن زيارة شينكر أي لقاء علني مع مجموعات الثورة أو مع النواب المستقيلين مجتمعين. فيما التقى رئيس “حركة الاستقلال” ميشال معوض وعقيلته بحسب تغريدة لمعوض، مع الاشارة الى أن العلاقة المميزة لمعوض مع واشنطن تعود الى حقبة والدته النائبة السابقة نايلة معوض والتي عززها التعاون المستدام بين مؤسسة رينيه معوض والوكالة الأميركية للتنمية الدولية USAID. بينما أفاد مصدر في حزب “الكتائب” لـ”أحوال” أن شينكر إلتقى رئيسه سامي الجميل إلا أنه لم تنشر أي صورة للقاء ولم يصدر رسمياً أي خبر عن الحزب يؤكّد إنعقاده.

صحيح أن وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو غرّد في ذكرى “ثورة 17 تشرين” عبر “تويتر” قائلاً: “منذ عام مضى، نزل الشعب اللبناني إلى الشوارع للمطالبة بالإصلاحات، وتحسين الحكم وإدارة البلاد، ووضع حد للفساد المستشري الذي خنق إمكانات لبنان الهائلة. الرسالة التي وجهها المتظاهرون كانت ولا تزال واضحة لا لبس فيها، ولا يمكن إغفالها، ومفادها بأن العمل على الطريقة القديمة لم يعد مجدياً”، لكن وجود شينكر في بيروت خلال الذكرى وعدم قيامه بأي خطوة إتجاه الثوار يطرح أكثر من علامة إستفهام.

فما الذي “قلب الآية”؟ هل تغيرت النظرة الأميركية للحراك ولقدرته على التغيير؟ هل وجدوا أن حركة النواب المستقيلين غير مجدية ولا إطار جامعاً لها؟ هل توخوا الحذر في التعاطي معهما كبديل عن القوى الموجودة وعادوا الى المربع الأول عبر التعاطي مع الواقع السياسي القائم وترك خطوط مفتوحة مع الحراك؟

مصدر أميركي: تحتاج الثورة إلى قيادة وتنظيم

مصدر أميركي أكد لـ”أحوال” أن “الولايات المتحدة كبلد أجنبي تتلاقى مع المتظاهرين حول حقهم بالتظاهر ومطالبتهم بالسير بالإصلاحات ومكافحة الفساد”، مضيفاً: “يعتقد بعض الناس أنه يجب علينا أن ندعم مكافحة الفساد بالقوة. إنهم مخطئون ونحن ندعم الإصلاحات عبر الوسائل الدبلوماسية والسياسية وسنستمر بذلك. لكن على اللبنانيين القيام بهذه العملية الاصلاحية”.

تابع المصدر الأميركي: “تركزت إجتماعات شينكر هذه المرة على اللقاءات الرسمية. الوضع الاقتصادي لا يساعد وقد تسوء الأمور أكثر إن لم يبدأوا بتطبيق الإصلاحات”. وفي المقابل، أشار الى أن “على المتظاهرين عدم تضييع الوقت وعليهم التصرف. عليهم الخروج كل يوم والمطالبة بذلك، ونحن ندعم ذلك. هل نحن نساعدهم وننظمهم ونرشدهم لتحقيق أهدافهم؟ كلا. لقد إتهمتنا بعض الأحزاب مع بدء الثورة بأننا نموّل المتظاهرين وهذا غير صحيح. تحتاج الثورة إلى قيادة وتنظيم وعلى اللبنانيين أن يقرروا إن كان على المتظاهرين توحيد جهودهم والتحالف مع أحزاب لديها الأهداف نفسها ام لا”.

مصدر لبناني عن شينكر: معارضة الثوار والنواب المستقيلين غير جاهزة

مصدر متابع للحركة الدبلوماسية الأميركية تجاه لبنان أفاد “أحوال” بأن “شينكر إعتبر خلال هذه الزيارة أن المؤشرات العملية في لبنان تدلّ على ان إمكانية التغيير الآن صعبة خصوصاً فيما يتعلق بالواقع القائم المرتبط بالرئيس ميشال عون وحزب الله. وهو يشعر أن المعارضة المتمثلة بالثوار أو بالنواب المستقيلين غير جاهزة. الثوار بنظر شينكر لم يستطيعوا توحيد الهدف وآلية العمل، فلا برنامج واضح لمجموعات الثورة وربما عليها ان تهيئ المناخ لإنتخابات مرتقبة بعد سنتين. لنعطيهم مجالاً كي يبلوروا نفسهم ويفرضوا حضورهم عبر صناديق الإقتراع اذا وحدوا الجهود. كما رأى شينكر أنه لا يعوَّل على النواب المستقيلين، فهو يقدّر شجاعة خطوة الإستقالة لكنه لا يعلم إن كانت محسوبة بدقة خصوصاً أن مفاعيلها أتت محدودة ولم تترك أي أثر جدي على المشهد السياسي”.

تابع المصدر: “بنظر الأميركيين، لم تكن ردة الفعل على إنفجار بيروت من قبل المتظاهرين بحجم الحدث الذي كان يمكن أن يعطي زخماً جديداً للثورة. لكنهم ملتزمون بمساعدة الشعب اللبناني إجتماعياً وإنسانياً وبالاستمرار في دعم الجيش والقوى الامنية، مع تشديدهم على أن العقوبات مستمرة وأنهم لن يساعدوا الإقتصاد اللبناني إلا متى تمّ السير بالإصلاحات. هم ينظرون الى إتفاق لبنان مع صندوق النقد الدولي الذي لا يسير إلا وفق خطة، فإن جرت الأمور وفق ما هو مرسوم، سيكون هناك إصلاحات وبالتالي مساعدات أميركية”.

ختم المصدر: “ترسيم الحدود بنظر الأميركيين أساسي ويساعد بتهدئة الأجواء وبحلحلة إقتصادية، خصوصاً بعدما أعاد الرئيسان ميشال عون ونبيه بري تحريكه من النقطة التي توقف فيها منذ عام. لقد عاد الاميركيون الى المربع الاول في التواصل لبنانياً أي التواصل مع المسؤولين الرسميين والاحزاب السياسية مع ترك الخطوط مفتوحة مع الثوار، فلا غنى عن التواصل مع القوى المنظمة بالتوازي مع الضغط على خط العقوبات وخط السير بالاصلاحات”.

ضو: 17 تشرين من ثورة إنقلابية الى حراك سياسي

يقّر المفكر والباحث السياسي المتابع لملف الحراك الأب فادي ضو أن “نقطة ضعف معظم الحراك هي بناء العلاقات الدولية والتواصل على المستوى الخارجي”، ويعزو ذلك الى سببين: “الخوف من التخوين بعد حملة الإتهامات التي طالت الثوار مع بداية الحراك ونعتهم بـ “مجموعات السفارات” وإتهام الخارج بتمويلهم”، معرباً عن أسفه أن “البعض من الحراك تبنى هذا الطرح وزايد عبر رفض التعاطي إلا مع القوى اللبنانية”. أما السبب الثاني بنظره فهو قلّة العلاقات العامة، مع تشديده على أن التواصل الدولي أمر بديهي وهو أشبه بـ “وزارة خارجية للثورة”.

كما يشير ضو الى “أن المجمتع الدولي أظهر في الشهر الأخير رغبته بإيجاد حكومة حتى ولو مع القوى السياسية الحالية لوقف الإنهيار السريع الذي يشهده البلد”، لافتاً الى أن “الفرنسيين والاميركيين إعتبروا ألا وقت كافياً لتشكيل سلطة بديلة في البلد”.

ورداً على سؤال، يوضح ضو: “التعددية في الحراك علامة إيجابية كونه لا يشكّل آلية أحادية لا مساحة ضمنها للنقاش الفكري والسياسي. الحراك بداية ثورة وليس ثورة مكتملة، فهو ردة فعل شعبية تعبر عن آراء مختلفة وفي بعض الأحيان متضاربة. لذا من الخطأ السؤال عن حجم تعدّد الآراء ضمن صفوف الناس الثائرة. إنهم يثورون بوجه منظومة فاسدة وبحاجة الى تغيير ولكن لا يعني أنهم متفقون على البديل. البحث عن البديل كان محور نقاش معمق في النصف الثاني من السنة التي مضت بين مجموعات في الحراك. لقد تركّز على محورين: المنظومة المالية والإقتصادية للبلد وملف السيادة والموقف من سلاح حزب الله”.

كذلك، يشرّح ضو خارطة توزّع القوى في الحراك قائلاً: “يمكن إدراج المجموعات المنظمة – لا الناس التي نجهل أراءها – ضمن ثلاثة تيارات مختلفة:
1- تيار ليبرالي يدعو الى إعادة بناء الإقتصاد اللبناني على أسس ليبرالية سليمة وهو يضم في الوقت نفسه المجموعات ذات الرؤية الأكثر وضوحاً بما يتعلق بسيادة الدولة وضرورة معالجة سلاح “حزب الله” ومن بينها الجبهة المدنية الوطنية.
2- تيار رديكالي ويساري مقاربته الإقتصادية مناقضة لليبرالية وهو يضم في الوقت نفسه المجموعات ذات الموقف الملتبس بشأن السيادة وتتجنب مقاربة ملف سلاح “حزب الله”.
3- التيار الديمقراطي الاجتماعي وهو تبلور في المجموعات التي اطلقت برنامجها السياسي في 30 آب الماضي، ومن ضمنها “الكتلة الوطنية” و”لحقي” و”بيروت مدينتي” وتحالف “لوطني”. تبين أنهم يميلون الى الليبرالية الوسطية ولكن مع عدم طرح ملف سلاح الحزب كبند أول.
مع الاشارة الى أن التيارين الليبرالي والديمقراطي الإجتماعي لم يتوحّدا رغم وجود مجموعات هي نفسها في التيارين في آن. هذه المشهدية للحراك ووجود ثلاثة تيارات أمر صحي، وقد يقودنا مستقبلاً الى صراع على المستوى السياسي لا الطائفي”.

ورداً على إمكان التوصّل الى مساحة مشتركة بين كل هذه التيارات، يجيب ضو: “لا إمكانية لذلك بل كل تيار شكل مساحة مشتركة بين عدد من المجموعات. لقد تخطينا مفهوم الثورة – أي الإتفاق على هدف واحد لإسقاط السلطة – بعد نحو شهرين أو ثلاثة أشهر من 17 تشرين. إذ تبيّن أنه حراك لا ثورة، فقد نجح بإسقاط الحكومة لكنه لم يستطع إسقاط النظام. في الاشهر الاخيرة تحوّل من حالة ثورة إنقلابية الى مشاريع سياسية بديلة توجّهها تشكيل السلطة عبر الإنتخابات النيابة لا إسقاط السلطة بالشارع إلا في حال إستجدّت حيثيات قد تعطي الدفع مجدداً لإسقاط السلطة. الحراك اليوم في طور تكوين الذات من أجل خلق سلطة بديلة في أي ظروف مؤاتية أو إنتخابات، لقد تبلور من حراك ثوري الى حراك سياسي”.

مع إنطلاق سنة جديدة، حراك 17 تشرين على عتبة مفصلية كي يبلور مشاريعه وينظم صفوفه ويستقطب العطف الشعبي، وهو أمام تحدٍ أساسي بالتوصل الى حدٍ أدنى من القواسم المشتركة بين مجموعاته خصوصاً على صعيد الرؤية الاقتصادية والسيادية. فهل يعبر من مرحلة الشعارات الشعبوية الى مرحلة بلورة قوة شعبية وسياسية قادرة على فرض السير بالاصلاحات على إيقاع التغيير؟

اظهر المزيد

جورج العاقوري

صحافي ومعّد برامج سياسية ونشرات اخبار

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: