اقتصاد

“أحوال” في جولة على مطاعم لبنان وأصحابها يروون تفاصيل رحلة صمود لا تخطر على بال

لائحة الأسعار تعبّر عن الهزيمة التي لحقت بهذا القطاع

الموت حصل ونشر سواده على كل شيء. بشر، أرزاق، شركات، مؤسسات.
لم تعد الأبواب المقفلة هي من تفاجئك، بل تلك التي لا تزال مفتوحة وتحتفل بالرمق الأخير من الحياة. شوارع تبدلّت هيئتها وأماكن لم تعد هي نفسها.
شاخ الوطن سريعاً وهرم مع أمراض لم يكن قادراُ على مواجهتها، فانهار وخارت قواه ومعه انهار كل شيء. عتّمت الساحات، خلت المدن، أقفرت القرى، ولبست أماكن الفرح ثوب الأفول.
في شارع الحمرا الذي بقي عصياً حتى على عز الحرب، حيث بقيت دور السينما ملجأً لروادها ومقاهيها مكاناً لا ينضب من رائحة القهوة وزبائن لا يخونون أماكنهم. هذا الشارع يسدل ستائره على آخر فصول العز ويرحل في عالم النسيان، مقاهٍ أقفلت ومطاعم قلبت كراسيها ومرابع بات زجاجها غباراً سميكاً.
أما الاشرفية الثكلى بالجراح بعد الانفجار الزلزال الذي قضى على شوارع وأحياء بأمها وأبيها، ما رمخايل، الجميزة، الصيفي، ساسين، لم تبقَ الا الآهات وحدها الصوت والصدى.
فالمطاعم والمقاهي فالمطاعم والمقاهي بعضها تهدّم، وآخر صفع بكف الأسى فأدارت ظهرها ورحلت في الغياب سواء قبل الفاجعة الكبرى للمرفأ او بعده.
أما المشهد نحو الزَلقا او الضَبية وصولاً إلى جونية او جبيل فليس بأفضل حال. أماكن كنت ترتاح لزيارتها ومطاعم كنت تمني النفس بأنك سترتادها على فرح وبحبوحة، أقفلت منذ زمن بعيد قريب، عندما صفّق الجوع والعوز كفيه في ثورة تشرين الماضي وتتالت الانهيارات.
هناك مطاعم ومقاهي كانت حياتها صاخبة جداً ورحيلها جاء سريعاً جداً.  عشرات لا بل مئات المطاعم  أقفلت كمطعم Republic بكل فروعه او ليوان بفرعيه  أو baie rose بفروعه كلها، كما ثمّة مطاعم أقفلت صالات بعض فروعها وباتت تكتفي بالديليفيري مثل Crepaway  و Chopsticks وغيرها.

-الأزمة بدأت قبل ثورة 17 تشرين

اليوم، أصبح السؤال لماذا أقفلت كل هذه المؤسسات والمطاعم خلفنا، والسؤال بات كيف تصمد كل هذه المؤسسات في أزمة الدولار وكورونا؟
المصيبة لم تبدأ في تشرين الماضي كما يظنّ البعض، بل بدأت قبل ذلك. كانت الأزمة بدأت تلقي بظلالها على الكثير من المؤسسات لا سيما قطاع المطاعم. فمن كان يزور أماكن السهر وشوارع المطاعم مثل الضَبية أو انطلياس أو جبيل كان يستشعر خلو الأماكن من زوراها. ومناطق كانت شاهدة على أيام العز والصيف الذي لا ينام  ليله باتت مقفرة بالكامل مثل عالية وبحمدون فقد سحبت منها الروح بالكامل.
وكان نقيب أصحاب  المطاعم والمقاهي في لبنان طوني الرامي قد رفع الصوت في أكثر من مناسبة  منذ بداية عام 2019عن تراجع كبير في عمل المطاعم بسبب قلة السياحة الداخلية، وبسبب الأوضاع الاقتصادية الخانقة وعدم توافر السيولة. كما أنّ المغتربين اللبنانيين وغالبيتهم من أفريقيا والبلدان العربية، انخفضت نسبة ما يصرفونه نتيجة انخفاض دخلهم في معظم دول أفريقيا وتغير الأوضاع في الدول العربية. وذكر الرامي  في حينها ان القطاع السياحي والخدماتي يعوّل بشكل كبير على السياح العرب والأجانب، الذين عزف قسم كبير منهم عن المجيء إلى لبنان بسبب الأزمات السياسية المتلاحقة.
ثم أتت جائحة كورونا لتجعل الأمر أكثر صعوبة، فخلال عام واحد حوالي أقفلت أكثر من ألف  مؤسسة  من مطاعم ومقاهٍ ونواد ليلية وأفران في لبنان أبوابها بشكل دائم. وفي كانون الثاني الماضي وحده، أغلق نحو 250 منها. كان هذا قبل تحليق الدولار ووصوله إلى أكثر من 8000 ليرة.

Photo by: Jawad Mourtada

 

أكثر ما يقلق أصحاب المطاعم هو ارتفاع الدولار بشكلٍ جنونيّ، فكلّ المواد الأوّليّة في مطابخهم  مستوردة، حتى تلك التي لا تخطر ببال مثل الحمص المكسيكي والطحينة التي قوامها السمسم المستورد. فقط الخضار والفواكه هي من الإنتاج المحلي، وما تبقى كله يركب الطائرة أو البحر ويأتينا مدفوعاً بالعملة الصعبة، ما يجعل الاستمرار صعباً ما لم تحصل معجزة.

باتريك حنا مدير مطعم  Red Deer  في بعبدا، يسرد حكاية صمود المطعم بالقول:” نحن مثل كل قطاعات البلد السياحية تراجعنا وتعطلت أعمالنا. الأزمة بدأت في تشرين الماضي ولم تنتهِ. أردنا أن ننقذ أنفسنا فاتخذنا قرار إيصال الطعام إلى البيوت من خلال خدمة الديليفيري لا سيما بعد جائحة كورونا، وكنا نقفل أياماً ونفتح أياماً وهذا اصابنا في مقتل، لم نعد نعرف ما إذا كان افتتاح المطعم أو إقفاله أفضل.”.

يتابع حنا “أكثر من مرّة فكّرنا بإقفال المطعم نهائياً، لكن كنّا في كل مرة نتحايل على أنفسنا ونتحمّل الخسارة، لأنّ إقفال المطعم سيقطع أرزاق عائلات كثيرة خاصة أنّ الذين يعملون هنا ليسوا محترفين، بل هم طلاب جامعات وسيدات عاملات في المطبخ، لكلٍ منهنّ قصّة محزنة فهذه أرملة وتلك لا يوجد من يعيلها والإقفال سيكون مؤذياً لا تحتمل عواقبه”.

يأتي باتريك  بدفتر الحسابات الخاصّة بالمطعم والحسرة تسكنه ويقول “صمودنا ليس من أجل الربح بل من أجل استمرارية العمل لما فيه مصلحة العاملين ومصلحة بلد لا نريده أن يظلم”.

يتابع ” كل يوم نقع في خسارة متزايدة، البارحة الكسور كانت مليونيي ليرة تضاف إلى مبلغ 9 ملايين ليرة خسارة. هذا ونحن لا ندفع إيجار العقار منذ ستة أشهر لأننا لسنا قادرين على ذلك، وأصحاب لعقار يتفهّمون الوضع القائم. ارتفاع الدولار أنهكنا،  كان لدينا أكثر من 60 غالون من المايونيز أثناء الاقفال اضطررنا إلى بيعها لإحدى الثكنات القريبة منا بمبلغ 10 آلاف ليرة للغالون حتى لا تنتهي صلاحيتها وعندما  فتحنا مجدداً ذهبنا لنشتري، دفعنا ثمن الغالون 50 الفاً.”.

-أحضر معك مشروبك ونرجيلتك

“نحن نصمد من حلاوة الروح” يقول باتريك “هناك أطباق لم نعد نقدّمها لأنّها مكلفة علينا وعلى الزبون. أما بخصوص المشروبات الروحيّة والتي تشكّل ربحاً لأيّ مطعم فقد استغنينا عنها بسبب الغلاء الفاحش ولم يعد بمقدور الزبون دفع ثمنها، فاتخذنا قراراً مضحكاً مبكياً، بأنّه بإمكان الزبون أن يحضر معه مشروبه الخاص، خاصة عندما يكون قد حجز طاولة كبيرة قد تكلفه 800 ألف فهو بالمقابل قد يدفع ضعف هذا ثمن مشروبات روحية. كما سمحنا بأن يدخل الزبون معه النرجيلة  الخاصة به بسبب كورونا. وبات الزّبون يحمل أشياءه ويأتي إلى المطعم وكأنه في رحلة الى نهر ابراهيم picnic. ما وصلنا إليه مخزياً ومبكياً. الخسارة كبيرة ونحن نعيش من قلّة الموت”.

ويضيف باتريك الى فصول الخسارة في مطعمه والتي هي واحدة في كل المطاعم، الإبقاء على  تشغيل الكهرباء على براداتها وثلاجاتها حتى أثناء الاقفال، والآن يضاف إليها ثمن المطهرات ومواد التنظيف والكمامات للموظفين التي بات سعرها مرتفع جداً.

أما عن قائمة أسعار الطعام يقول “لم نرفعها سوى 10 بالمئة فقط، لكن أحياناً بتنا نقلّل في حجم الصحن حسب نوعه مثل السومو أو السمك”.

-عشاق السوشي… هجروه

لا يختلف وضع إيلي خطار مدير مطاعم sashimi للسوشي، يتحدّث لـ “أحوال” عن خسارته وعن صموده وعن لائحة الأسعار لديه. يقول “بدأ تراجع أعمالنا منذ سنة، حيث توالت الخسائر”.

احترق المطعم في المنصورية العام الماضي وحاول إيلي أن يبدأ من جديد وتوالت الأزمات، يقول لـ”أحوال” “أقفلنا فرعنا في بعبدا مدّة خمسة أشهر بسبب الأزمة  ثم عدنا وفتحنا مجدداً. مرَرنا فترة لم نكن قادرين على دفع الإيجارات وكنّا ندفع نصف الإيجار فقط، ثم مؤخراً توصلنا إلى حل هذه المشكلة مع أصحابها”.

ويتابع “صرفت 25 موظفاً أجنبياً كان يتقاضى راتبه بالدولار، ووظفت مكانهم شباباً لبنانيين من خريجي الفندقية وعلمناهم المصلحة واقتصر عدد العاملين لديناعلى خمسة موظفين فقط يعملون في المطبخ. أما باقي الأعمال فنقوم بها نحن أصحاب المطعم من تنظيفات وصيانة وتوصيل ديليفيري وغيرها”.

يضيف إيلي خطار “المواد التي تستهلك في مطبخ السوشي غالية جداً لأنها مستوردة بالكامل، وبتنا نشتري هذه المواد كل يوم بيومه خوفاً من أن تتلف مع كثرة الإقفال وهناك أصنافاً استغنينا عنها، لنقدّم قائمة مدروسة ومحدودة تكون في متناول الجميع.”.

ويؤكّد خطار أنّ عدد الناس الذين باتوا يأكلون السوشي بات أقل بخمس مرّات، ومن كان يطلب عدّة مرّات في الأسبوع، بات يطلب مرّة واحدة في الشّهر، حيث بات كل عمله قائماً على الديليفيري، أما عن الأسعار، فيقول إنّه لم يرفعها سوى 20 بالمئة فقط، ما يوقعه في خسارة، يتابع “نعطي لأنفسنا مجالاً حتى آخر السّنة. إما أن يتحسّن حالنا أو نقفل نهائياً، لأننا لم نعد قادرين على تحمل المزيد من الخسارة.”.

-لا شيء يعلو على خدمة الـDelivery

في زيارة الى أحد  فروع مطعم Divvy في برمانا، الأجواء هناك تبدو مختلفة مع زيادة عدد رواد المطاعم، وقد يتهيأ لك أن الدنيا  بألف خير.

خدمة الديليفيري لا تهدأ، وأكياس الطعام تحضّر بكثرة بينما الجالس في المطعم عليه ان ينتظر حوالي نصف ساعة حتى يلبّى طلبه لكثرة الطلبات.

أسعار هذا المطعم الأجنبي مقبولة قياساً بالغلاء، وفي دردشة مع مدير المطعم  يقول “رفعنا الأسعار بين 10 و20 بالمئة، وهناك صحون لم نعد نقدّمها خاصة تلك التي تعتمد على الأسماك أو السومو أو اللحوم الحمراء وأصناف معينة من الجبنة  لأنّها غالية علينا وعلى الزبون وكلها مستوردة من الخارج”.

ويضيف “نحن لا نبغى الربح في هذه الفترة، نريد فقط أن تبقى مطاعمنا مفتوحة، ففي الإقفال خسارة كبيرة وفي فتح المطعم خسارة أيضاً، لكنّنا اتخذنا خيار الاستمرار”.

كمال طنوس, جواد مرتضى

اظهر المزيد

كمال طنوس

كاتبة وصحافية لبنانية لاكثر من 25 عاماً في العديد من الصحف العربية كمجلة اليقظة الكويتية وجريدة الاهرام وجريدة الاتحاد وزهرة الخليج .كما تعد برامج تلفزيونية وتحمل دبلوما في الاعلام.

جواد مرتضى

مصوّر لبناني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: