تفجير القصر العدلي في دمشق يسقط قناع الاستقرار ويعري العجز الأمني للمنظومة الحاكمة

أعاد التفجير الإرهابي الدامي الذي استهدف محيط القصر العدلي في قلب العاصمة دمشق، مسفراً عن سقوط شهداء وجرحى من المدنيين الأبرياء، خلط الأوراق السياسية والأمنية في الساحة السورية، واضعاً وعود الأمن التي تسوّق لها سلطة الأمر الواقع أمام اختبار ميداني كشف عمق الهشاشة البنيوية للمنظومة الحاكمة.
وفي رد فعل سياسي بارز، أدانت “الكتلة الوطنية السورية” بأشد العبارات هذا العمل الإجرامي الجبان الذي استهدف منطقة مدنية مكتظة بالمواطنين، معتبرة إياه اعتداءً صارخاً على حق السوريين في الحياة، ومؤشرًا خطيراً على أن الإرهاب بمختلف أشكاله لا يزال يهدد استقرار البلاد ووحدة مجتمعها.
هذا الاختراق الأمني في عمق العاصمة لا يمكن قراءته بمعزل عن طبيعة السلطة الحاكمة في دمشق التي يترأسها الجولاني؛ فالسلطة التي فرضت نفسها كأمر واقع وتتحكم بالمشهد السوري، تثبت اليوم عجزها الفاضح عن الانتقال من عقلية الفصيل العسكري إلى مربع مسؤولية حماية المواطنين وصون السلم الأهلي. إن النهج السلفي التكفيري الذي يشكل العصب الأيديولوجي والسياسي لهذه السلطة يقف عائقاً بنيوياً أمام إنتاج مؤسسات دولة حقيقية أو قضاء مستقل، حيث تبدو القبضة الأمنية للمنظومة موجهة بالدرجة الأولى لإحكام السيطرة السياسية وقمع الداخل، بينما تعجز بشكل فاضح عن تأمين الحواضر الكبرى ومنع الاعتداءات التي تعمّق حالة الذعر والخوف بين السكان.
وفي السياق ذاته، جاءت ردود الفعل الرسمية والتصريحات المتضاربة الصادرة عن أجهزة السلطة عقب التفجير مباشرة لتكشف عن حالة من الارتباك ومحاولات واضحة للتغطية على الأبعاد السياسية والأمنية لهذا الإخفاق. وتجلّى هذا الأمر في مساعي إنكار وجود خطر حقيقي يهدد حياة المواطنين والقفز فوق النتائج قبل إجراء أي تحقيق عميق؛ وهو سلوك سياسي ترفضه القوى الوطنية، وتحديداً “الكتلة الوطنية السورية” التي طالبت بفتح تحقيق شفاف ومستقل لكشف ملابسات الجريمة وتحديد المسؤولين عنها لضمان عدم إفلاتهم من العقاب، محملة السلطة القائمة المسؤولية المباشرة عن الفشل في اتخاذ إجراءات فاعلة لمنع مثل هذه الخروقات.
إن المشهد العام في دمشق اليوم يضع السوريين أمام استحقاق مكلف؛ فبعد سنوات طويلة من العنف، يجد المواطن السوري نفسه ضحية لمشروع حكم مأزوم عاجز عن ترسيخ سيادة القانون أو تقديم ضمانات حقيقية للأمن الشخصي والجمعي. ويظل عجز سلطة الجولاني عن ضبط الأمن في مركز ثقلها السياسي، بالتوازي مع نهجها الإقصائي المتشدد، دليلاً على أن استدامة السيطرة بقوة السلاح لا يمكن أن تصنع استقراراً حقيقياً، وأن غياب الرؤية الوطنية الجامعة سيبقي البلاد مشرعة على مزيد من التصدعات الأمنية والسياسية.



