ملفات ساخنة

كواليس الهندسة التركية بدمشق: قراءة في تصريحات نوح يلماز ومخاوف إسرائيل المستقبلية

رصد أحوال ميديا

في قراءة سياسية جديدة تسلّط الضوء على حجم الارتهان والتوجيه الإقليمي للداخل السوري، قدّم السياسي والاقتصادي الأردني عبد الله السحيم تحليلاً مكثفاً لشهادة وتصريحات السفير التركي في سوريا، نوح يلماز، خلال لقائه الأخير عبر قناة «سوريا الآن»، واصفاً إياها بأحد أهم وأخطر اللقاءات التي تكشف الاستراتيجية المباشرة لأنقرة في إدارة واستعادة المشهد السوري خلال السنوات القادمة. وتبرز هذه المعطيات كيف تحوّلت إدارة الحكم القائمة في دمشق تحت سيطرة «الجولاني» إلى بيئة تنفيذية لتطبيق مشروع تقوده أنقرة بالكامل، مستغلةً حالة الفراغ المؤسسي والتفكك لتكريس حضورها كصانع قرار أول في العاصمة.

وأشار السحيم إلى أن ثقل الشخصية الدبلوماسية المتمثلة بـ«يلماز» — الذي أمضى نحو عشر سنوات داخل الاستخبارات التركية، وشغل منصب كبير مستشاري هاكان فيدان ثم نائباً لوزير الخارجية — يحوّل السفارة التركية في دمشق من مقر دبلوماسي تقليدي إلى غرفة إدارة عمليات وإشراف مباشر؛ حيث أضحت أكبر سفارات تركيا من حيث الكادر الدبلوماسي، ويتولى فيها ملفات أوسع حجماً مما كان يديره في منصبه الوزاري السابق. وترتكز الاستراتيجية التركية، وفق التحليل، على إعادة بناء هيكلية الدولة من أعلى إلى أسفل؛ عبر توحيد الحكومة والجيش والأجهزة الأمنية، وإخضاع المعابر والحدود لسيطرة العاصمة دمشق، وإنهاء حالة السلاح المنفصل واقتصاد الحرب والتهريب، إلى جانب نقل الخبرات التركية الشاملة للمؤسسات والوزارات في مجالات الأمن والمالية والجمارك والتعليم والزراعة.

وفي ملف «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، تتبنّى أنقرة استراتيجية تجنّبها الدخول المباشر في استنزاف عسكري طويل، من خلال الدفع بسلطة دمشق لاستعادة السيطرة على النفط والموارد والمعابر المؤسسية، والتفريق بين المكوّن الكردي السوري وبين القيادات العسكرية للحزب، تمهيداً لدمج العناصر السوريين داخل الأجهزة الرسمية وإنهاء السلاح المستقل عبر مؤسسات الدولة. أما على صعيد إعادة بناء الجيش السوري وتأهيله، فيكشف السحيم عن خطوات تركية تتجاوز التدريب واللوجستيات إلى تطوير الصناعات العسكرية والصيانة ومشاركة الضباط السوريين في مناورات «إيفس» للاطلاع على نموذج العمليات التركي، ممتدةً إلى الحضور البحري عبر إرسال أسطول إلى اللاذقية وتدريب البحرية السورية والمساعدة في بناء السفن، بما يعيد الساحل السوري تدريجياً إلى معادلة التوازن في شرق المتوسط.

وعلى النطاق الاقتصادي، يرسم التحليل ملامح ربط عضوي بين الاقتصاد السوري والأناضول عبر اتفاقات تجارة حرة، ومناطق صناعية مشتركة، وموانئ جافة، بهدف الوصول بالحجم التجاري إلى عشرة مليارات دولار وتجاوزها، وتحويل سوريا إلى ممر ترانزيت محوري يربط تركيا بالأردن والسعودية والخليج، فضلاً عن العراق ولبنان ومتوسط المنطقة. ويرافق هذا الارتباط الاقتصادي رؤية بعيدة المدى تمتد لخمسين عاماً، تستثمر في العلاقات الاجتماعية والعائلية والتعليمية والمصاهرات والتجارة التي تشكّلت لدى ملايين السوريين الذين أقاموا وحصلوا على الجنسية في تركيا خلال السنوات الماضية.

تخلص هذه القراءة الميدانية والاستراتيجية للسياسي عبد الله السحيم إلى تفسير أسباب التوجّس والتهديدات الإسرائيلية المتكررة والتواصل المكثف مع الإدارة الأمريكية؛ إذ لا تنظر تل أبيب إلى دمشق من واقعها الراهن المنهك تحت سيطرة الجولاني، بل تتوجّس من ملامح سوريا كما قد تبدو في عام 2036: دولة موحدة، بلا ميليشيات مستقلة، بجيش مركزي مدعوم من قوة إقليمية كأنقرة، واقتصاد مرتبط بممرات المنطقة، مما يجعل أي استقرار وتطوير للمؤسسات في سوريا عقبة أمام الحسابات الأمنية الإسرائيلية في العقود القادمة.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى