أوهام الاعتراف والسيادة.. خارطة الطريق الأوروبية تعرّي تضليل ماكينة دمشق الإعلامية

يواصل الإعلام الرسمي لسلطة الأمر الواقع في دمشق، بقيادة أحمد الشرع (الجولاني)، سياسة الإنكار العميق والتضليل المنهجي واجتزاء الحقائق بصورة متعمدة، في محاولة بائسة لإيهام الرأي العام السوري بأن الاتحاد الأوروبي قد منح شرعية كاملة وغير مشروطة لحكومته الانتقالية.
هذا الضجيج الذي تروّج له الأبواق الإعلامية والذباب الإلكتروني التابع للسلطة، يحاول تصوير التحركات الدولية الأخيرة كإنجاز سياسي وتطبيع مجاني مع منظومة اغتصبت السلطة في دمشق عقب سقوط النظام السابق أواخر عام 2024.
إلا أن القراءة الفاحصة للوقائع والوثائق السياسية تفكك هذه الأوهام بالكامل؛ إذ تكشف النسخة المحدثة من “خارطة طريق الاتحاد الأوروبي للانخراط مع المجتمع المدني السوري” (الصادرة في أبريل 2026 والتي أعدتها منظمة Aleph Strategies بتكليف رسمي من الاتحاد الأوروبي) أن حقيقة الموقف الأوروبي ليست تطبيعاً أعمى، بل هي انخراط مشروط بامتياز، يهدف بالدرجة الأولى إلى تحويل المجتمع المدني إلى “شريك رقابي” وأداة ضغط صارمة لمحاصرة نهج هذه السلطة السلفي التكفيري وإلزامها بإصلاحات جذرية وفق القرار الأممي 2254.
وتأتي هذه الخارطة الأوروبية لتضع محددات صارمة تعيد تحميل سلطة الجولاني مسؤولية الخدمات الأساسية كالطبابة والتعليم والكهرباء، مع ربط أي دعم أو تعاون مستقبلي بمدى التقدم الفعلي في العملية السياسية، مجهضةً بذلك محاولات السلطة لبيع الأوهام للسوريين بالانفتاح الاقتصادي دون مقابل سياسي.
وعلى مستوى الحوكمة، تطرح الوثيقة مفهوم “الحوكمة التشاركية” كبديل لتفرد السلطة التكفيرية، وهي آلية متطورة للديمقراطية التداولية تسعى لبناء مساحات حوار شاملة تربط المجتمعات المحلية بعمليات صنع القرار، بهدف تقليل الإقصاء وإعادة بناء الثقة المفقودة تمهيداً لإصلاح ديمقراطي مستقبلي حتمي، وهو ما يتناقض كلياً مع بنية سلطة الأمر الواقع القائمة على الاستبداد الأيديولوجي.
ولم تقف الخارطة عند حدود التوجيهات النظرية، بل أرست آليات مساءلة صارمة ومنتظمة لتقييم أداء السلطة في دمشق؛ حيث نصت على إنشاء استطلاعات رضا دورية وجلسات استماع عامة تشارك فيها المجتمعات المحلية، بالإضافة إلى تفعيل قنوات شكاوى آمنة وفعالة، وتطوير دليل مساءلة يتضمن مؤشرات أداء واضحة وتدريبات على الشفافية المالية وإدارة المخاطر.
هذا الحصار الرقابي يمتد مباشرة إلى عصب التمويل، حيث ربط الاتحاد الأوروبي دعمه المالي بتحسن آليات المساءلة المحلية، معلناً صراحة عن نقل ثقل الدعم وأولويته إلى المنظمات النسوية والشبابية والمحلية، وكسر هيمنة المنظمات الكبرى المقربة من السلطة لصالح القوى المحلية المستقلة.
وفي مواجهة الخطاب الإقصائي المتطرف الذي تحمله الأيديولوجيا السلفية التكفيرية المبطنة للسلطة الحاكمة، ركزت خارطة الطريق الأوروبية بشكل مكثف على ملف العدالة الانتقالية والشمولية؛ إذ تدفع الوثيقة نحو تمكين المجتمع المدني للعب دور قيادي في المصالحة المجتمعية، ومكافحة خطاب الكراهية والطائفية، وحفظ حقوق الإنسان وحقوق المكونات الأساسية للشعب السوري.
وتشدد الخارطة على ضرورة كسر التهميش وضمان التمثيل الحقيقي والكامل للمرأة والشباب والمكونات الأقل تمثيلاً، ولا سيما الأكراد والدروز والعلويين والمسيحيين، وإشراكهم في كل المحافظات السورية دون استثناء.
وفي المحصلة، فإن هذه الاستراتيجية الأوروبية المحدثة لعام 2026 تثبت أن المجتمع الدولي لا يعترف بشرعية سلطة الأمر الواقع، بل يستخدم هذه الخارطة كأداة ضغط سياسي وحقوقي، محولاً المجتمع المدني السوري إلى كابح حقيقي أمام تغول هذه السلطة، ومظهراً زيف البروباغندا الإعلامية التي لا تزال تبيع للسوريين انتصارات وهمية لا رصيد لها على أرض الواقع السيادي والدولي.



