
ألقى وقف إطلاق النار المؤقت، المتفَق عليه مبدئياً بين إيران والولايات المتحدة برعاية باكستانية، بظلال ثقيلة على إسرائيل، بما يشمل المستويَين السياسي والعسكري والنخب ووسائل الإعلام. وتمثّل القاسم المشترك في التعليقات والتسريبات، التي أعقبت ذلك الإعلان، في التعبير الواسع عن الإحباط والقلق والشعور بالانكسار، وإدانة قصور النظر وسوء التخطيط والتنفيذ، وصولاً إلى توصيف ما جرى بـ«الكارثة الاستراتيجية» التي حلّت بالدولة العبرية، فضلاً عن تراشق الاتهامات وتحميل المسؤوليات. وبدا هذا المشهد مخالفاً للتوقّعات والآمال المفرطة التي روّج لها المسؤولون الإسرائيليون في الأيام الأولى للحرب وراهنوا عليها، وعلى رأسهم بنيامين نتنياهو، الذي وعد مراراً بـ«تغيير الشرق الأوسط»، فيما يحاول الآن تجميل الخسارة.
ولما كان الإعلام العبري التزم، طوال فترة الحرب، بتعليمات الرقابة العسكرية التي شدّدت على الامتناع عن نشر ما قد يفيد الخصم أو يضعف المعنويات الداخلية، بما في ذلك الحدّ من إبداء الآراء المخالفة، فإن هذا الالتزام سرعان ما تراجع بعد الإعلان عن وقف إطلاق النار. وتجلّى ما تقدّم في ظهور موجة من الانتقادات الحادّة، دفعة واحدة، خصوصاً في ضوء «سلة البنود» التي قيل إنه تمّ التوافق على التفاوض بشأنها بين طهران وواشنطن، بعيداً عن تل أبيب، والتي وُصفت في الإعلام الإسرائيلي بـ«المرعبة».
وعكس ما نشرته الصحافة العبرية، أمس، شعوراً بالفشل لفّ الوعي الجمعي الإسرائيلي، فيما ترجمت الأسئلة المطروحة رؤية النخب الإسرائيلية لنتائج الحرب التي راهنت عليها باعتبارها فرصة للتخلّص من «تهديد وجودي» لإسرائيل.
دخلت إسرائيل الحرب بتوقعات تحقيق نصر سريع وحاسم لكنها انتهت إلى استبعادها من طاولة المفاوضات
وفي هذا السياق، طرحت صحيفة «هآرتس» سلسلة من الأسئلة الجوهرية، يمكن تلخيصها في مراجعة الأهداف التي أعلنتها إسرائيل عند بدء الحرب، وما إذا كانت قد تحقّقت. ووفق الصحيفة، لا يزال النظام الإيراني قائماً، فيما لم يُحسم مصير نحو 440 كيلوغراماً من اليورانيوم المخصّب، كما بقي برنامج الصواريخ الباليستية نشطاً. أمّا الأهداف التي رسمها نتنياهو بخطابه في آذار الماضي، وفي مقدّمها منع إيران من امتلاك سلاح نووي، ومنعها من تطوير صواريخ تهدّد العالم، وتهيئة الظروف لإسقاط النظام، فلم يتحقّق منها شيء يُذكر.
وتطرّقت الصحيفة أيضاً إلى موقع إسرائيل في الولايات المتحدة بعد الحرب، في ظلّ اتهامات لها بأنها دفعت واشنطن إلى مواجهة غير محسوبة. وفي هذا الإطار، استُحضر تحقيق نشرته «نيويورك تايمز»، استند إلى تسريبات من دائرة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، أفاد بأن مسؤولين أميركيين كباراً وصفوا المقترحات الإسرائيلية لتغيير النظام الإيراني بأنها «غير منطقية» و«هراء»، في ما اعتُبر ضربة لمصداقية إسرائيل في الولايات المتحدة، قد تكون الأقوى منذ قضية الجاسوس جوناثان بولارد قبل أربعة عقود.
ومن بين الأسئلة التي برزت أيضاً، ما يتعلّق بالنتائج العكسية للحرب؛ إذ إن التهديد الذي سعت إسرائيل إلى اجتثاثه دفعة واحدة، تعزّز بدلاً من ذلك. وبحسب الصحيفة، فإن الاعتراف الأميركي الرسمي بإيران شريكاً في المفاوضات، ومنحها شرعية دولية، يفتحان الباب أمام تعزيز قدراتها الاقتصادية والعسكرية، بما يعني أنها خرجت من الأزمة أكثر صلابة، وقادرة على إعادة بناء قدراتها تحت مظلة دولية جديدة. أيضاً، أثيرت إشكالية المكاسب الاقتصادية التي قد تجنيها طهران بنتيجة الاتفاق، لا سيما في ضوء الحديث عن رفع العقوبات، وتحرير الأصول المجمّدة، ودفع تعويضات، فضلاً عن إلغاء قرارات مجلس الأمن و«الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، وغير ما تقدّم من إجراءات من شأنها أن تمنح النظام الإيراني سيولة مالية هائلة كان محروماً منها لسنوات.
وفي السياق نفسه، ركّزت «هآرتس» وغيرها على ما وُصف بـ«المدخول الاستثنائي» المحتمل لإيران من فرض رسوم على عبور السفن في مضيق هرمز، قد تصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة، وهو ما قد يدرّ عائدات تفوق إيرادات النفط والغاز، ويشكّل رافعة استراتيجية جديدة لطهران كانت مجرّد حلم لدى النظام الايراني قبل أن يشعل نتنياهو هذه الحرب الفاشلة. ومن شأن ذلك أن يرفع مكانة إيران إلى مستوى الجهة التي تؤثر في السياسة والاستراتيجيات الدولية، وليس فقط المجال الإقليمي.
ولم تغفل وسائل الإعلام أيضاً، عن الأسئلة المتعلّقة بمستوى الردع لدى إيران وإسرائيل. وبحسبها، فقد تنامى مستوى الردع الإيراني وهو مرشّح للتعاظم، فيما تآكل الردع لدى إسرائيل أمام صمود الخصم ومنعته، رغم أن الأخير واجه، على حدّ سواء، إمكانات إسرائيل وإمكانات القوة العظمى، أي الولايات المتحدة التي شاركتها الحرب. وبحسب تعبيرات المعلّقين، دخلت إسرائيل الحرب بتوقعات تحقيق نصر سريع وحاسم، لكنها انتهت إلى استبعادها من طاولة المفاوضات المتعلقة بـ«أمنها القومي»، في ما يُعدّ من أبرز التداعيات السلبية للمواجهة.
وتقاطعت مواقف معظم وسائل الإعلام العبرية وتعليقات مراسليها ومحلليها، من «يديعوت أحرونوت» إلى «معاريف» و«إسرائيل هيوم» وموقع «واللا» وغيرها، عند هذا التقييم، في مشهد نادر من النقد الذاتي الحادّ، والذي يعكس عمق الصدمة داخل إسرائيل حيال مآلات الحرب، وتعاظم الخشية من تبعاتها.



