الصبر الإستراتيجي كأحد أشكال الانتصار.. قراءة في تعثر اهداف واشنطن وتل أبيب
بقلم: د. هشام الأعور

في خضم التصعيد العسكري والسياسي الذي شهدته المنطقة، برزت روايات متضاربة حول مآلات المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وحلفائها من جهة أخرى. إلا أن القراءة التحليلية الهادئة، بعيدًا عن الخطاب التعبوي، تُظهر أن الأهداف المعلنة أو الضمنية لواشنطن وتل أبيب لم تتحقق، وأن نتائج الصراع جاءت مغايرة للتوقعات التي سبقت اندلاعه.
ومن اللافت أن هذا المسار التصاعدي انتهى، مرحليًا على الأقل، إلى إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين بين إيران والولايات المتحدة، في إطار هدنة مؤقتة أُبرمت بوساطة باكستان. هذا التطور بحد ذاته يعكس تحوّلًا في ميزان الحسابات، إذ إن اللجوء إلى التهدئة، ولو بشكل مرحلي، يأتي عادة نتيجة إدراك متبادل باستحالة تحقيق حسم سريع، وارتفاع كلفة الاستمرار في المواجهة المفتوحة.
منذ اللحظة الأولى، كان الرهان الأميركي–الإسرائيلي يقوم على إحداث صدمة استراتيجية سريعة تُضعف بنية الدولة الإيرانية، وتدفعها إلى تقديم تنازلات جوهرية في ملفاتها الإقليمية والنووية. غير أن مجريات الأحداث كشفت محدودية هذا الرهان. فبدلًا من الانهيار أو التراجع، أظهرت إيران قدرة على امتصاص الضربة، وإعادة تنظيم أدوات الرد، ما حوّل مسار المواجهة من محاولة فرض إرادة إلى معادلة ردع متبادل.
الأهم في هذا السياق أن الحصار، الذي كان يُفترض أن يشكّل أداة خنق استراتيجية، انقلب تدريجيًا إلى عامل إعادة تموضع. إذ دفعت الضغوط إيران إلى تعزيز استقلاليتها الاقتصادية والعسكرية، وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية، بما رسّخ حضورها كقوة فاعلة لا يمكن تجاوزها في معادلات المنطقة. وبهذا المعنى، فإن فكّ القيود – سواء بشكل مباشر أو عبر الأمر الواقع – لم يُضعف إيران، بل ساهم في إعادة تقديمها كلاعب إقليمي أكثر صلابة.
في المقابل، لم تتمكن الولايات المتحدة من جني مكاسب واضحة توازي حجم الانخراط السياسي والعسكري. فالكلفة المرتفعة، ماديًا واستراتيجيًا، لم تُترجم إلى نتائج حاسمة، لا على مستوى تقليص النفوذ الإيراني، ولا في ما يتعلق بإعادة رسم التوازنات الإقليمية. أما إسرائيل، التي سعت إلى تقويض قدرات خصومها وفرض معادلة ردع جديدة، فقد وجدت نفسها أمام واقع أكثر تعقيدًا، حيث تعددت الجبهات وتزايدت الضغوط بدل أن تنحسر.
كما أن ساحة المواجهة لم تبقَ محصورة جغرافيًا، بل اتسعت لتشمل أكثر من مسار، ما أضعف إمكانية الحسم السريع. هذا التمدد أتاح لإيران وحلفائها استخدام أدوات غير تقليدية، وفرض إيقاع استنزاف تدريجي، بدلاً من الانجرار إلى مواجهة كلاسيكية قد تكون نتائجها أكثر خطورة.
وفي هذا الإطار، برز دور المقاومة في لبنان كعامل مؤثر في توسيع دائرة الضغط على إسرائيل، ومنعها من تركيز قدراتها في جبهة واحدة. إذ أسهمت هذه الجبهة في تثبيت معادلة الردع، وفرض كلفة ميدانية وأمنية متزايدة، ما حدّ من قدرة تل أبيب على تحقيق أهدافها العسكرية أو فرض إيقاع أحادي للمواجهة. كما أن تماسك هذه الجبهة، رغم الضغوط، شكّل جزءًا من المشهد الإقليمي الأوسع الذي أربك الحسابات الإسرائيلية وأعاد توزيع عناصر القوة في الميدان.
وبالتوازي، لعبت ساحتا العراق واليمن دورًا لا يقل أهمية في تعقيد المشهد الاستراتيجي. ففي العراق، ساهمت فصائل المقاومة في إبقاء الوجود الأميركي تحت ضغط دائم، ما قيّد هامش الحركة العملياتية وأجبر واشنطن على توزيع قدراتها بدل تركيزها. أما في اليمن، فقد شكّل التهديد بإغلاق مضيق باب المندب ورقة ضغط استراتيجية بالغة الحساسية، نظرًا لأهمية هذا الممر الحيوي للتجارة الدولية وإمدادات الطاقة. هذا التهديد، حتى وإن بقي في إطار الإمكان، كان كافيًا لرفع كلفة المواجهة على المستوى العالمي، وتحويل الصراع من نطاق إقليمي إلى قضية ذات أبعاد اقتصادية دولية.
وفي قلب هذا المشهد، تبرز نقطة لا يمكن تجاوزها: مفهوم الانتصار نفسه. فمهما حاولت بعض الأصوات التقليل من شأن ما تحقق أو تقديمه بصورة سلبية، فإن معيار الصمود يفرض نفسه كحقيقة سياسية قائمة. لقد أثبتت إيران قدرتها على الثبات تحت أقسى الضغوط، ومنعت خصومها من تحقيق أهدافهم الأساسية، وهذا بحد ذاته يُعدّ إنجازًا استراتيجيًا لا يمكن إنكاره.
فالانتصار، في مثل هذه المواجهات المعقدة، لا يُقاس فقط بحجم الخسائر أو المكاسب المباشرة، بل بقدرة الدولة على الحفاظ على تماسكها، واستمرار قرارها السيادي، وعدم الانجرار إلى شروط الخصم. ومن هذه الزاوية، يمكن القول إن الصمود لم يكن مجرد رد فعل، بل تحوّل إلى عنصر قوة بحد ذاته، أعاد تثبيت موقع إيران في معادلة التوازن الإقليمي.
ولا تبدو محاولات التشويش الإعلامي أو بث الإحباط قادرة على تغيير هذه الحقيقة، في ظل وعي عام بات أكثر قدرة على التمييز بين السرديات المتناقضة. إذ إن ما تحقق، رغم كلفته، يشكّل خطوة إلى الأمام في مسار تثبيت معادلات جديدة في المنطقة.
في المحصلة، لم يكن المشهد انتصارًا تقليديًا حاسمًا بقدر ما كان تثبيتًا لواقع جديد: إيران لم تُهزم، والولايات المتحدة وإسرائيل لم تتمكنا من فرض إرادتهما. وبين هذين الحدّين، يتكرّس توازن دقيق عنوانه أن الصبر الاستراتيجي قد يكون في حد ذاته شكلًا من أشكال الانتصار… فحين تصمد الإرادة، تتبدّل النتائج.



