هل يمكن أن تمثل دعوة ظريف للتسوية خارطة طريق لإيران في ظل الأزمة الراهنة؟ – بقلم: د. هشام الأعور

يطرح محمد جواد ظريف؛ وزير الخارجية الإيراني الأسبق؛ في مقالته المنشورة في مجلة فورين أفيرز رؤية متكاملة تدعو إلى الانتقال من منطق المواجهة المفتوحة إلى مسار تسووي شامل، مستنداً إلى خبرته كأحد أبرز مهندسي خطة العمل الشاملة المشتركة. وتقوم هذه الرؤية على فكرة “استثمار الصمود” عبر إعلان نصر سياسي يتيح لطهران الدخول في مفاوضات من موقع قوة، لا من موقع تراجع.
ضمن هذا الإطار، يقترح ظريف مقاربة متعددة الأبعاد: تبدأ بالاستعداد لفرض قيود على البرنامج النووي مقابل رفع شامل للعقوبات، وتمتد إلى طرح اتفاق “عدم اعتداء” متبادل مع الولايات المتحدة، وصولاً إلى إمكانية فتح قنوات تعاون اقتصادي، بما يحوّل العلاقة من حالة صراع مفتوح إلى تنافس منضبط. كما يحذّر من مخاطر توسّع النزاع إقليمياً ودولياً، معتبراً أن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى استنزاف داخلي وتفاقم الأزمات.
غير أن هذه الدعوة لم تمرّ بهدوء، بل قوبلت بردود فعل حادة عكست انقساماً واضحاً حولها. داخلياً، شنّ سعيد حداديان هجوماً عنيفاً على ظريف، متهماً إياه بالخيانة ومهدداً بالتصعيد، فيما اعتبر حسين شريعتمداري، القريب من مكتب المرشد الإيراني ، أن طرحه يمثل “وصفة للاستسلام”، مطالباً القضاء بالتدخل. بدوره، رأى علي مطهري أن توقيت هذه المبادرة غير مناسب، مشيراً إلى إمكانية استمرار المسار الدبلوماسي بالتوازي مع المواجهة، في استحضار لتجربة علي لاريجاني.
في المقابل، ينسجم طرح ظريف مع مقاربة التيار القريب من حسن روحاني، الذي دعا إلى إصلاحات سياسية واقتصادية عاجلة، معتبراً أن أي صمود مستدام يتطلب معالجة الاختلالات الداخلية وتعزيز الثقة الشعبية، بالتوازي مع البحث عن مخرج سياسي للحرب.
إقليمياً، لم يكن الطرح أقل إثارة للجدل، إذ انتقد أنور قرقاش المستشار السياسي لرئيس دولة الإمارات هذه الرؤية، معتبراً أنها تتجاهل جوهر الإشكالية في السلوك الإقليمي الإيراني، ولا سيما تجاه دول الخليج، وأن تسويق هذا النهج بوصفه “نصراً” يعكس خللاً في التقييم الاستراتيجي.
في هذا السياق، يكتسب توقيت مواقف كل من حسن روحاني ومحمد جواد ظريف دلالة أعمق من مجرد إبداء رأي سياسي. ففي اللحظات التي تتصاعد فيها الضغوط وتشتد الضربات، لا تبرز فقط موازين القوة، بل تظهر أيضاً مقاربات النجاة. من هنا، يبدو حضورهما أقرب إلى استدعاء أصوات سياسية خبرت التفاوض وإدارة الأزمات، في وقت لم يعد فيه الخطاب التقليدي كافياً لاحتواء التعقيد القائم.
إيران اليوم لا تواجه تصعيداً تقليدياً يمكن ضبطه عبر الشعارات، بل تقف أمام مشهد مركّب: ضغوط عسكرية وأمنية، وتحديات اقتصادية خانقة. في مثل هذه البيئات، تميل الأنظمة العقائدية عادة إلى التشدد، غير أن بروز خطاب مختلف—كما عند روحاني وظريف—يوحي بأن النقاش داخل البنية السياسية بدأ يتجاوز حدود الأسلوب إلى جوهر الخيارات.
فـحسن روحاني يقدّم طرحاً أقرب إلى “نداء إصلاحي من داخل النظام”، يربط بين الاستقرار الداخلي والحاجة إلى مراجعات سياسية واقتصادية عاجلة، في إشارة ضمنية إلى أن استمرار المسار الحالي قد يحمل مخاطر بنيوية. في المقابل، يعتمد محمد جواد ظريف لغة دبلوماسية هادئة، تعيد تقديم الأزمة كمسار قابل للاحتواء، وتفتح المجال أمام تسوية ممكنة دون صدام مباشر مع ثوابت الخطاب الرسمي.
هنا يبرز جدل أعمق: هل نحن أمام توزيع أدوار تقليدي بين التشدد والاعتدال، أم أمام لحظة مراجعة فعلية تفرضها الضغوط غير المسبوقة؟ تاريخياً، أتقنت إيران إدارة هذا التوازن، لكن الفارق اليوم يكمن في أن خطاب التهدئة لا يصدر من موقع قوة واضحة، بل من بيئة ضاغطة، ما يضفي عليه طابعاً أقرب إلى محاولة احتواء المخاطر.
وفي خلفية هذا المشهد، يتبلور انقسام غير معلن داخل مراكز التفكير: اتجاه يرى أن الصلابة هي الضمانة الوحيدة للاستمرار، واتجاه آخر يعتبر أن التمسك بالنهج ذاته قد يؤدي إلى نتائج معاكسة. وهذا لا يعكس مجرد اختلاف سياسي، بل تبايناً في تعريف “البقاء” نفسه—بين من يربطه بالمواجهة، ومن يربطه بالقدرة على التكيّف.
كما لا يمكن استبعاد أن يحمل هذا الحراك بعداً تكتيكياً، يهدف إلى إيصال رسائل للخارج بأن داخل إيران مسارات يمكن الانخراط معها، وأن دفع الأمور نحو حافة قصوى قد يفتح سيناريوهات غير محسوبة.
في المحصلة، لا تبدو مواقف روحاني وظريف حدثاً معزولاً، بل جزءاً من لحظة سياسية دقيقة تتقاطع فيها الضغوط الخارجية مع التساؤلات الداخلية. وهي لحظة تكشف أن إيران باتت تتحدث بلغتين في آن واحد: لغة تصعيدية تحافظ على معادلة الردع، وأخرى أكثر هدوءاً تبحث عن مخرج. وبين هاتين اللغتين، يتحدد المسار المقبل: ليس فقط ما إذا كانت طهران ستتجه نحو التسوية، بل كيف ستعيد تعريف موقعها ودورها في مرحلة تتسم بقدر عالٍ من عدم اليقين.



