سياسة

​الدولة والسيادة: صراع الإرادات في زمن التحولات الكبرى

بقلم: ​ د. هشام الأعور

​يمر لبنان اليوم بمنعطفٍ تاريخي لا يحتمل الرمادية؛ حيث تُعاد صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة على وقع النيران، وتوضع الثوابت اللبنانية أمام اختبار الوجود. إن المرحلة الراهنة، بتعقيداتها الإقليمية وضغوطها الدولية، لم تعد ترفًا للسجال السياسي، بل هي استحقاق وطني يتطلب “رادارات” سياسية دقيقة لفرز الأولويات، وحماية السيادة، وصون كرامة المواطن في دولةٍ يُراد لها أن تكون ساحة، بينما يسعى المخلصون لتثبيتها ككيانٍ نهائي ومستقل.

​شرعية الدفاع: العقد الاجتماعي والمظلة الدولية:
​إن الحق في الدفاع عن الأرض ليس اجتهاداً سياسياً تخضع ملاءمته للظروف، بل هو أصلٌ ثابت في فلسفة قيام الدول. يتلاقى في هذا الحق الدستور اللبناني مع “اتفاق الطائف” والقانون الدولي، ليشكلوا معاً تفويضاً أخلاقياً وقانونياً لكل من يحمل عبء حماية السيادة. إن من يحاول تجريد الدولة أو قواها الحية من هذا الحق، لا يمارس معارضة سياسية، بل يساهم -عن وعي أو دونه- في كسر التوازن الذي يمنع لبنان من السقوط في فخ التبعية أو الاستباحة.

​جدلية القوة والتفاوض: الدرس المستفاد:
​لقد علمتنا تجارب التاريخ المعاصر أن الطاولات المستديرة لا تحمي الضعفاء، وأن الدبلوماسية بلا “أنياب” هي مجرد استسلام بلغة منمقة. إن التفاوض ليس غاية، بل هو أداة لترجمة موازين القوى على الأرض إلى مكاسب سياسية.
​التفاوض من موقع الاقتدار: هو الذي يفرض قواعد الاشتباك، ويحمي المدنيين، ويجبر الخصم على الاعتراف بالواقع الجديد.
​التفاوض من موقع الانقسام: هو الذي يشرّع الأبواب للانتهاكات ويحوّل التنازلات إلى سياقٍ دائم.
​إن الصمود الذي يشهده لبنان اليوم ليس مجرد فعل عسكري، بل هو “رافعة” سياسية تمنع تحويل لبنان إلى طرفٍ يُملى عليه، وتؤكد أن أي تفاهمات مستقبلية يجب أن تنطلق من قاعدة الندية لا الانكسار.

​العدوان وإستراتيجية “تقطيع الأوصال”:
​يواجه لبنان اليوم عدواناً إسرائيلياً يتجاوز الاستهداف العسكري المباشر إلى محاولة “هندسة” الجغرافيا اللبنانية. إن قصف الجسور، واستهداف البنية التحتية من الجنوب إلى البقاع وصولاً للعاصمة بيروت، ليس عبثاً، بل هو محاولة ممنهجة لفك الارتباط العضوي بين المناطق اللبنانية وضرب “النسيج الوطني”.
أمام هذا التحدي، يتحول صمود المواطن في أرضه من فعل بقاء إلى فعل سيادة؛ فكل مهجر يتشبث بحق العودة، وكل جسر يُعاد ترميمه بالمعنى المعنوي، هو رد مباشر على محاولات عزل لبنان عن عمقه وهويته.

​القوة الوطنية: من الشعار إلى الممارسة:
​السيادة ليست مصطلحاً نظرياً يُتلى في المناسبات، بل هي “قدرة الدولة على الفعل”. إن القوة الوطنية بمفهومها الشامل (السياسي، المؤسساتي، والمجتمعي) هي الضمانة الوحيدة لمنع الأطراف الخارجية من إعادة رسم خرائط النفوذ على حسابنا. إن أي تراجع عن عناصر القوة هذه، تحت أي ذريعة، هو دعوة صريحة للآخرين للتدخل في شؤوننا السيادية.

​خريطة الطريق: إستراتيجية الصمود والبناء:
​تتحدد المسؤولية الوطنية اليوم من خلال الالتزام بمعادلة خماسية الأبعاد:
​الثبات السيادي: رفض أي صيغ دولية تكرس اختلال التوازن.
​وحدة المسار: حماية الترابط الجغرافي والاقتصادي بين كافة المناطق اللبنانية.
​العدالة القانونية: الاحتكام للمرجعيات الدستورية كإطار وحيد للمحاسبة والتشريع.
​استعادة الحقوق: التمسك بتحرير ما تبقى من أراضٍ محتلة كجزء لا يتجزأ من الكرامة الوطنية.
​تحصين الداخل: اعتبار “تماسك الجبهة الداخلية” هو السلاح الأقوى الذي لا يملكه العدو.

​ بناء الدولة في ما بعد العاصفة:
​قد تخمد المدافع وتنتهي جولات التصعيد، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ في “اليوم التالي”. إن الخطر الإسرائيلي سيبقى داهماً، لكن “الهشاشة الداخلية” هي الثغرة التي ينفذ منها الخطر الأكبر.
إن بناء الدولة القوية يتطلب شجاعة في الحوار الداخلي لا تقل عن الشجاعة في الميدان. المسؤولية الحقيقية تقع على عاتق من يحفظ “خط الرجعة” بين اللبنانيين، ومن يدرك أن الاستثمار في الوحدة هو الاستثمار الوحيد الرابح.
​فالتاريخ لن يرحم من فرّط بالسيادة تحت ضغط اللحظة، وسيسجل بمداد من نور أن المسؤولية تقع دوماً على عاتق من صان الأرض، وحفظ القرار المستقل، ورفض أن يكون لبنان جائزة ترضية في صراعات الآخرين.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى