بظل الضغوط الأوروبية: هل يسقط قناع “المرحلة الانتقالية” في دمشق؟

منذ سقوط النظام السوري السابق أواخر عام 2024، تحاول سلطة الأمر الواقع في دمشق، بقيادة أحمد الشرع، تسويق نفسها أمام المجتمع الدولي كسلطة انتقالية تحمل مشروع “إنقاذ الدولة” وقيادة البلاد نحو الاستقرار. غير أن الأشهر الماضية كشفت للأوروبيين بصورة متزايدة أن ما يجري على الأرض لا يعكس خطاب “الانتقال السياسي” بقدر ما يوحي بمحاولة إعادة إنتاج سلطة أحادية جديدة، بوجه مختلف وأدوات أكثر براغماتية.
مشاركة دمشق في مؤتمر “Justice Matters 2026” في لاهاي، عبر وزير العدل مظهر الويس، لم تُقرأ أوروبياً كخطوة كافية لإثبات حسن النوايا، بل كجزء من حملة دبلوماسية تحاول من خلالها السلطة الانتقالية كسب الوقت وفتح أبواب الشرعية الدولية دون تقديم تنازلات حقيقية في بنية الحكم.
فالعواصم الأوروبية باتت تدرك بشكل واضح أن الخطاب الذي يُسوَّق للخارج عن “التعددية والمصالحة والعدالة الانتقالية” لا ينسجم مع الوقائع السياسية والأمنية داخل دمشق.
الإعلان الدستوري لعام 2025 مثّل بالنسبة لكثير من الدوائر الأوروبية جرس إنذار حقيقياً، بعدما منح أحمد الشرع صلاحيات تنفيذية شبه مطلقة، وأبقى القرار السيادي محصوراً ضمن دائرة ضيقة مرتبطة بقيادات وشخصيات خرجت من رحم “هيئة تحرير الشام”. وبينما يجري الحديث عن “إعادة بناء الدولة”، تتسارع عملياً عملية تركيز السلطة في يد الرئاسة، مع غياب أي مؤشرات فعلية على فصل السلطات أو استقلال القضاء أو التحضير لانتخابات حرة ذات صدقية.
الأوروبيون اليوم لا يتعاملون مع السلطة الانتقالية في دمشق بعقلية التفاؤل السياسي، بل بمنطق الحذر والمراقبة الدقيقة. فهم يدركون أن أحمد الشرع يتبع سياسة تقوم على المناورة المرحلية: تقديم خطاب معتدل للخارج، مقابل تثبيت النفوذ داخلياً عبر التعيينات المركزية، وإعادة إنتاج أجهزة السيطرة السياسية والأمنية بلباس جديد. ولهذا السبب لم تعد العواصم الأوروبية تنظر إلى التصريحات الرسمية باعتبارها مؤشراً كافياً، بل باتت تراقب الأفعال القابلة للقياس على الأرض.
ويستند الموقف الأوروبي إلى مرجعيات قانونية وسياسية واضحة، أبرزها القرار الأممي 2254 ومبادئ العدالة الانتقالية، حيث ربط الاتحاد الأوروبي أي انفتاح سياسي أو دعم اقتصادي مستقبلي بجملة شروط صارمة، تشمل عدالة انتقالية شاملة لا انتقائية، ومحاسبة جميع الأطراف المتورطة بالانتهاكات، وضمان حماية الأقليات والتنوع الطائفي والعرقي، إضافة إلى صياغة دستور دائم يؤسس لدولة مؤسسات حقيقية لا لحكم فردي جديد.
لكن ما يثير القلق الأوروبي المتزايد ليس فقط طبيعة الصلاحيات الممنوحة للرئيس الانتقالي، بل أيضاً الخلفية الفكرية والتنظيمية للعديد من الشخصيات التي باتت تتحكم بالمفاصل السيادية للدولة. فوجود شخصيات ذات جذور سلفية جهادية داخل البنية الحاكمة يطرح تساؤلات جدية حول مستقبل الدولة السورية، وحول ما إذا كانت السلطة الحالية قادرة فعلاً على الانتقال من عقلية “التنظيم العقائدي” إلى مفهوم الدولة الوطنية الجامعة.
وفي الكواليس السياسية الأوروبية، يتزايد الاعتقاد بأن الشرع يحاول إدارة المرحلة الانتقالية كمسار مفتوح زمنياً، بما يسمح له بتثبيت سلطته تدريجياً تحت عنوان “منع الفوضى” و”حماية الاستقرار”. غير أن الأوروبيين باتوا أكثر اقتناعاً بأن المماطلة وكسب الوقت أصبحا جزءاً من استراتيجية الحكم نفسها، لا مجرد ظروف انتقالية مؤقتة.
لهذا، تبدو المرحلة الحالية بمثابة اختبار حقيقي لأحمد الشرع أمام المجتمع الدولي. فإما أن يذهب فعلياً نحو إصلاحات دستورية وسياسية جدية تفتح الباب أمام شراكة وطنية وتمثيل حقيقي لكل السوريين، وإما أن تتكرس القناعة الدولية بأن دمشق تسير نحو بناء نسخة جديدة من الاستبداد، أكثر مرونة في الخطاب، لكنها لا تختلف كثيراً في جوهرها عن الأنظمة التي ثار السوريون ضدها.
الرسالة الأوروبية أصبحت واضحة: الشرعية الدولية لن تُمنح مجاناً، والدعم الاقتصادي لن يتحول إلى شيك مفتوح، والرهان لن يكون على الوعود والخطابات، بل على الوقائع والنتائج. فإما دولة قانون ومؤسسات وعدالة شاملة، وإما سلطة أمر واقع جديدة قد تدفع سوريا مرة أخرى نحو الانقسام والفوضى وفقدان آخر فرص الاستقرار الحقيقي



