
في مشهد “سوريا الجديدة” الذي تروج له حكومة الجولاني من العاصمة دمشق، لم يعد مستغرباً أن يُكافأ أصحاب السجلات المثقلة بالانتهاكات بالمناصب السيادية. لكن مرسوم تعيين عبد القادر الطحان (المعروف حركياً بـ “أبو بلال قدس”) نائباً لوزير الداخلية برتبة “لواء”، يتجاوز كونه إجراءً إدارياً؛ إنه صفعة لآمال السوريين في دولة القانون والمواطنة، وتكريس صريح لعقلية “أمراء الحرب”.
رتبة بلا مؤهلات.. الولاء فوق العلم
المثير للجدل في هذا التعيين هو منح رتبة “لواء” لشخصية لا تملك أي خلفية أكاديمية أو عسكرية نظامية. ففي الوقت الذي تغص فيه سوريا بالكفاءات الحقوقية والضباط الأكاديميين، يتم القفز فوق الجميع لتعيين قيادي “ميداني” استمد شرعيته من الانتماء التنظيمي. إن تحويل “أمير حرب” إلى “نائب وزير” يعكس إصرار القيادة الجديدة على عسكرة المؤسسات المدنية، وتحويل وزارة الداخلية من جهة خدمية إلى غرفة عمليات لإدارة القمع.
السجل الأسود: من سجون الظل إلى هرم الوزارة
لا يأتي الطحان إلى منصبه من فراغ، بل يحمل سجلاً أمنياً يصفه ناشطون بـ “الإجرامي”، وهو ما يجعل استلامه لمفاصل الأمن العام “انتكاسة” حقوقية حيث
ارتبط اسمه لسنوات بقيادة الجهاز الأمني الذي أدار سجوناً سيئة الصيت، حيث وُجهت له تهم مباشرة بالإشراف على عمليات التعذيب الممنهج والإخفاء القسري للمعارضين والناشطين.
يُعد الطحان المسؤول الميداني عن فض احتجاجات (2024-2025) بالقوة المفرطة، وهو ما وثقته عدسات الناشطين كممارسات تتنافى مع شعارات “الثورة” التي يدعيها النظام الجديد.
و تلاحق الطحان اتهامات بالمشاركة في إعدامات ميدانية تعود لعام 2013 (كمجزرة خان العسل وقلب لوزة )، مما يجعل صعوده إلى هرم السلطة تقويضاً كاملاً لمبدأ العدالة الانتقالية.
“تبييض” الأسماء لا يغسل الدماء
حاول الطحان مؤخراً “تبييض” تاريخه باستبدال المظهر القتالي برتبة عسكرية رسمية، لكن هذا التغيير الشكلي لا يحجب حقيقة أن وزارة الداخلية باتت تحت قبضة “رجل الظل” الوفي لأحمد الشرع (الجولاني). إن تعيين شخص لا يملك في سيرته سوى “فنون التصفية” وتفكيك الفصائل المعارضة، يعني بوضوح أن السلطة الحالية لا تزال أسيرة لعقلية الميليشيا، وأن “جمهورية الألوية الزائفة” لا تُجيد سوى التنكيل.. وإن تغيرت العناوين.



