بين «الإنهاك الإمبراطوري» والحتمية التاريخية: لماذا لا تسقط الهيمنة الأميركية بالتمني؟

زاهر ملاعب*
منذ نهاية الحرب الباردة، تَكرّس في الأدبيات السياسية خطاب يكاد يكون مريحاً في بساطته: الولايات المتحدة، كغيرها من الإمبراطوريات عبر التاريخ، ستسقط حتماً بفعل التوسع المفرط والإنهاك الداخلي. هذا الخطاب يستند غالباً إلى نظريتين أساسيتين: نظرية «الإنهاك الإمبراطوري» كما صاغها المؤرخ البريطاني بول كينيدي، ونظرية الحتمية التاريخية التي ترى أن مسار التاريخ يعيد نفسه وفق قوانين لا فكاك منها. غير أن الإشكالية لا تكمن في هاتين النظريتين بحد ذاتهما، بل في تحويلهما من أدوات تحليل إلى تعويض نفسي ونبوءة خلاص.
طرح بول كينيدي في كتابه الشهير صعود وسقوط القوى العظمى (1987) فكرة مفادها أن القوى العظمى، حين تتجاوز التزاماتها العسكرية قدرتها الاقتصادية، تبدأ بإضعاف الأساس الذي تقوم عليه قوتها، ما يفتح الباب أمام التراجع وربما السقوط. هذه الأطروحة صحيحة تاريخياً في سياق إمبراطوريات اعتمدت على اقتصاد إنتاجي محدود، وأنفقت مواردها خارج بنيتها الداخلية، في ظل وجود قوى منافسة جاهزة لوراثة النظام القائم. لكن استدعاء هذه النظرية إلى القرن الحادي والعشرين دون تعديل، يعكس قراءة إسقاطية أكثر مما يعكس تحليلاً بنيوياً.
أما الحتمية التاريخية، فهي الإطار الأوسع الذي يجعل من صعود الإمبراطوريات وسقوطها قانوناً عاماً، ويحوّل التاريخ إلى مسار قدري. هذا النوع من التفكير يُغري لأنه يعفي الفاعلين من مسؤولية الفعل، ويحوّل الشعوب من قوى سياسية إلى متفرجين ينتظرون لحظة الانهيار كما يُنتظر حدثاً طبيعياً لا دور للإرادة البشرية فيه.
لكن الولايات المتحدة ليست إمبراطورية تقليدية يمكن قياسها بمسطرة روما أو بريطانيا. فهي لا تموّل هيمنتها من فائض اقتصادي كلاسيكي، بل من موقع الدولار كعملة عالمية، ومن قدرتها على تحويل الدين العام إلى جزء من منظومة السيطرة لا إلى عبء وجودي. الدين الأميركي المرتفع، على خطورته، لا يعمل بالطريقة ذاتها التي عمل بها الدين في الإمبراطوريات السابقة، لأن الطلب العالمي على الدولار يعيد تدوير هذا الدين داخل النظام الأميركي نفسه.
الأهم من ذلك أن الإنهاك، مهما بلغ، لا يؤدي تلقائياً إلى السقوط ما لم تتوافر قوة مضادة قادرة على الحلول محل المهيمن. التاريخ لا يعرف الفراغ. الاتحاد السوفياتي لم يسقط لأن الولايات المتحدة كانت أقل إنهاكاً فقط، بل لأنه واجه نموذجاً منافساً متماسكاً اقتصادياً وسياسياً وتحالفياً. اليوم، ورغم صعود الصين وتحديات روسيا، لا توجد قوة تمتلك مزيج العملة العالمية، والتحالفات العابرة للقارات، والنموذج السياسي القابل للتصدير. الإنهاك موجود، لكن الوريث غائب.
غير أن الجانب الأكثر تجاهلاً في خطاب «انهيار أميركا» ليس سياسياً ولا اقتصادياً، بل نفسي. هنا يصبح استحضار كارل ماركس ضرورياً، لا بوصفه منظّراً اقتصادياً فقط، بل محللاً عميقاً للآليات التعويضية لدى المجتمعات المقهورة. حين قال ماركس إن مشكلة الدين تكمن في لجوء البشر إلى الصلاة بدلاً من المقاومة، لم يكن يهاجم الإيمان بحد ذاته، بل كان يشرح كيف تتحول العقيدة إلى آلية دفاعية عندما يُسلب الإنسان قدرته على الفعل في العالم المادي، فيعوّض ذلك بالإيمان بخلاص مؤجل.
هذا المنطق يتكرر اليوم في السياسة الدولية. فخطاب انتظار انهيار الولايات المتحدة، المنتشر بكثافة في الدول المستضعفة، لا يصدر غالباً عن موقع قوة أو مشروع تحرري، بل عن عجز بنيوي. هنا تظهر آلية نفسية دفاعية تُعرف في علم النفس باسم «التماهي مع المعتدي»، وهي قريبة من متلازمة ستوكهولم، حيث يتبنى الخاضع منطق المسيطر، ويبرر تفوقه، ويعيش على أمل سقوطه بدل بناء شروط التحرر منه.
في السياسة، يُعرف هذا السلوك باسم «عبادة الرجل الأبيض»، أي الإيمان اللاواعي بأن الهيمنة قدر طبيعي، وأن السيطرة لا تُواجَه بالفعل بل تُنتظَر نهايتها. في هذا السياق، يصبح الحديث عن الإنهاك الإمبراطوري أقرب إلى صلاة سياسية، تُستَخدم لتسكين الإحباط، لا لتحفيز العمل.
العدم ليس ظلاماً، بل غياب ضوء. والشر ليس قوة قائمة بذاتها، بل نتيجة غياب مقاومة منظمة. الإمبراطوريات لا تسقط لأن التاريخ يريد ذلك، ولا لأن الشعوب تتمنى ذلك، بل لأنها تُواجَه بقوى بديلة تمتلك مشروعاً وقدرة وتنظيماً. إلى أن يظهر مثل هذا البديل، سيبقى خطاب انهيار أميركا – رغم كل أزماتها الحقيقية – تعبيراً عن رغبة أكثر مما هو تشخيص علمي.
- أخصائي نفسي وباحث في علم النفس الاجتماعي والاتصال



