دمشق تحت قبضة الإمارة التكفيرية: ملفات الإبادة والتطهير العرقي تفتح تساؤلات المحاسبة المؤجلة

تواجه سوريا اليوم فصلاً هو الأشد قتامة في تاريخها الحديث، حيث تهيمن على العاصمة دمشق والمفاصل الحيوية للبلاد، منذ أواخر عام 2024، بنية عسكرية وسياسية وأمنية يقودها أبو محمد الجولاني. هذه المنظومة الحاكمة، التي يسير أبعادها السياسية والاقتصادية والخدمية والثقافية والامنية مشايخ من التيارات السلفية التكفيرية وتنظيم الإخوان المسلمين، باتت تعتمد بشكل كلي في أجهزتها ومؤسساتها على قادة وعناصر ذوي خلفيات جهادية متطرفة، انحدر غالبهم من تنظيم “داعش” وجبهة النصرة، ليعيدوا إنتاج نظام حكم يقوم على فرض الأمر الواقع بقوة السلاح والتصفية الممنهجة. ولم يقتصر هذا التمدد على السيطرة الإدارية، بل ترجم عملياً إلى حملات وحشية من التطهير العرقي والإبادة الجماعية، تجسدت بشكل صارخ خلال العام الفائت (2025) عبر مجازر دموية استهدفت المكون العلوي في شهر آذار، أسفرت عن مقتل ما يزيد على 20 ألف شخص، وترافقت مع انتهاكات جسيمة شملت واغتصاب النساء وقتل الأطفال والشيوخ، في وقت لا تزال فيه عمليات اختطاف النساء والجرائم اليومية مستمرة حتى اللحظة.
هذا السلوك الإقصائي امتد ليشمل المكون الدرزي عبر استهداف تاريخي ومستمر؛ فمنذ مجزرة قلب لوزة بإدلب عام 2015، تصاعدت حدة العمليات لتصل منتصف العام الماضي إلى تفجيرات واستهدافات ممنهجة في جرمانا وأشرفية صحنايا، وصولاً إلى مجازر تموز الدموية في السويداء التي حصدت أرواح أكثر من 4000 شخص، وتوجت بفرض حصار خانق على المحافظة واحتلال عدد من قراها بأوامر قيادية مباشرة من الجولاني. ولم تسلم المعالم الدينية والحضارية من هذا النهج، حيث شهدت البلاد موجات تفجير وتخريب ممنهجة للكنائس، مما يوضح الرغبة في طمس التعددية الدينية والتاريخية في سوريا.
إن هذه الوقائع المستجدة على الساحة السورية تشكل امتداداً للخلفية الدموية والتاريخ الموثق للمجموعات التي يقودها الجولاني؛ إذ يكشف الأرشيف الموثق لعمليات “جبهة النصرة” بمسمياتها المختلفة أن استهداف المدنيين كان استراتيجية ثابتة أُديرت بأوامر شخصية مباشرة منه، حيث نفذت الجماعة آلاف الهجمات الانتحارية والسيارات المفخخة، إلى جانب القصف العشوائي بجرات الغاز وقذائف الهاون والغراد التي رفعت أعداد الضحايا من المدنيين العزل إلى عشرات الآلاف في إدلب وحماة وحلب ودمشق وحمص ودرعا، فضلاً عن المجازر الصريحة التي ارتكبت عند اقتحام البلدات والقرى.
وتسجل الذاكرة السورية إحصائيات دموية موثقة لهذه الجرائم، أبرزها تفجير كفرسوسة بدمشق في 23 كانون أول 2011 الذي خلف 44 شهيداً و150 مصاباً، وتفجير القزاز في 10 أيار 2012 بـ 55 شهيداً وأكثر من 400 جريح، وتفجيرات المرجة في العام نفسه، بالإضافة إلى تفجير القصر العدلي في 15 آذار 2017 (31 شهيداً وعشرات المصابين)، وتفجير دمشق القديمة بباب الصغير في 11 آذار 2017 الذي أسفر عن 74 شهيداً ومئات المصابين، فضلاً عن الهجمات المتكررة التي طالت منطقة المزة بين عامي 2016 و2017 مخلفة عشرات الشهداء ومئات الجرحى.
ولم تكن بقية المحافظات بمنأى عن هذا الموت؛ إذ توثق الملفات مجزرة سلمية بحماة في كانون أول 2012 التي راح ضحيتها 60 شهيداً، ومجزرة أطفال مدرسة عكرمة بحمص في أوكتوبر 2014 التي استشهد فيها 54 شخصاً بينهم 41 طفلاً و178 مصاباً من الأطفال، واستهداف الحميدية بدمشق في 1 شباط 2015 الذي أسفر عن 6 شهداء و20 مصاباً. كما شهد شهر أيار من عام 2016 هجمات انتحارية متزامنة في جبلة وطرطوس، أسفرت عن استشهاد 150 شخصاً في جبلة (بينهم أطباء وأطفال) وأكثر من 200 مصاب، و48 شهيداً في طرطوس غالبهم من النساء والأطفال وأكثر من 100 مصاب. وتبرز في هذا السياق جريمة تفجير حافلات المهجرين من أهالي الفوعة وكفريا في حي الراشدين بحلب في نيسان 2017، وهي العملية الغادرة التي نفذتها عصابات الجولاني والمحيسني، وأدت إلى استشهاد أكثر من 500 طفل وامرأة وفقدان وفقدان ما يزيد عن 300 شخص. إن هذا السرد التوثيقي المتسلسل، الممتد من التفجيرات الانتحارية المبكرة إلى سياسات التطهير العرقي الحالية، يضع السوريين والمجتمع الدولي أمام تساؤل حتمي: من سيحاكم الجولاني على هذه الملفات المثقلة بدماء الأبرياء؟



