اقتصاد

عدم إقرار موازنة 2021 يضع لبنان في دائرة الخطر

إنّ إعداد موازنة عامة للدولة، وإحالتها الى المجلس النيابي، هما من أهم مسؤوليات الحكومات. ويحدّد الدستور اللبناني مهلاً معينة لمناقشة وإقرار الموازنة من قبل الحكومة ومجلس النواب لا يجب تخطيها. ولكن اليوم، وفي ظل الخلافات السياسية بين أطراف الحكم التي تؤخر تشكيل حكومة جديدة، حال لبنان حرجة. فهو في مهب دخول عام 2021 من دون موازنة عامة؛ وهو أمر ليس بجديد على المسؤولين الذين اعتادوا على التباطؤ بإعدادها، حتى أصبح التأخير بإقرار الموازنة العامة “عرفاً” طبّع مراحل سابقة كثيرة.

ما هو تعريف الموازنة؟ وما أهميتها؟

تُعرّف المادة 3 من قانون المحاسبة العمومية الموازنة بأنّها “صك تشريعي تقدّر فيه نفقات الدولة وواردتها عن سنة مقبلة، وتُجاز بموجبه الجباية والانفاق”؛ أي أنّ الدولة تحدّد من خلالها نفقاتها ومورادها المتوقعة وبرنامج عملها.

بالتالي، فإنّ الموازنة حاجة ضرورية لإدارة المال العام، ولانتظام عمل المؤسسات للسنة المالية المقبلة، بالإضافة الى رسم التوجهات الاقتصادية والمالية والاجتماعية للحكومة على المدى المتوسط.

موعد إقرار الموازنة والمهل الدستورية

بحسب نص المادة 83 من الدستور، “كل سنة في بدء عقد تشرين الأول تقدم الحكومة لمجلس النواب موازنة شاملة لنفقات الدولة ودخلها عن السنة القادمة ويقترع على الموازنة بنداً بنداً.” (لمجلس النواب عقدان في السنة، الأوّل من 15 آذار إلى 30 حزيران مخصّص للسياسات العامّة، والثاني من 15 تشرين الأول إلى 31 كانون الأول مخصص لمناقشة مشروع الموازنة وإصدار قانونها بحسب المادة 32  من الدستور).

ومما تقدّم، ينبغي على الحكومة أن تحيل إلى مجلس النواب قبل منتصف تشرين الأول مشروع الموازنة، ليقرّها قبل 31 كانون الثاني من العام الجديد.

بين حكومة مستقيلة وجديدة.. من يتولى دفة الإعداد؟

يعيش لبنان اليوم في فترة “تصريف الأعمال” الحكومي، وهي الفترة الفاصلة بين استقالة الحكومة وتشكيل حكومة جديدة، وعليه يُطرح السؤال: هل يحق للحكومة المستقيلة إعداد موازنة وإرسالها إلى المجلس النيابي؟

يؤكد رئيس منظمة “جوستيسيا” بول مرقص في حديث لـ “أحوال” أنّ الحكومة المستقيلة تصرّف الأعمال بالمعنى الضيق، بمعنى أنّها تكتفي فقط بالنشاط الذي يدخل في مفهوم تسيير الشؤون الضرورية، ذات الصلة بالمصلحة العامة، من دون اتخاذ قرارات تحدث أعباء جديدة وتؤثر بالمالية العامة؛ مع استثناء الأعمال التي تدخل في مفهوم الضرورة أو في حصول تطورات وظروف استثنائية.  (في عام 2013 أجازت هيئة الاستشارات والتشريع في وزارة العدل لحكومة الرئيس نجيب ميقاتي المستقيلة حينها، أن تعيّن أعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات، وأن تصدر مراسيم التنقيب عن النفط). إذن، لا يحق للحكومة المستقيلة إرسال الموازنة الى مجلس النواب، لأنّ الأخيرة لا تدخل في إطار تصريف الاعمال.

أمّا في حال كانت الحكومة قد أرسلت الموازنة الى المجلس النيابي قبل استقالتها، عندها يقوم المجلس بدراستها؛ ويخصص جلساته بحسب الدستور لمناقشة الموازنة والتصويت عليها قبل أي عمل آخر. ويشير مرقص إلى أنّه إذا لم يتم  إرسال مشروع قانون الموازنة الى مجلس النواب ضمن المهل الدستورية المحددة، عندها يتم اللجوء إلى الإنفاق وفق القاعدة الإثني عشرية، حتى شهر كانون الثاني. (تقوم القاعدة الإثني عشرية على أساس الاعتمادات الدائمة المرصودة في موازنة السنة السابقة، على أن يُؤخذ بعين الإعتبار ما أُضيف إليها وما أُسقط منها من اعتمادات دائمة).

التخلّف عن الموازنة يحرم لبنان من المساعدات

في وقت وضع فيه تأخر تشكيل الحكومة الجديدة، لبنان في موقف محرج مع المجتمع الدولي، فإنّ عدم إقرار الموازنة الذي يُعد على رأس سلم الإصلاحات المطلوبة، قد يهدّد إمكانية حصول البلاد على المساعدات الدولية الموعودة، في وقت هو أحوج ما يكون لهذه المساعدات في ظل الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي تعصف به.

ويشدد الكاتب والباحث الاقتصادي زياد ناصر الدين لـ “أحوال” على أنّ الوضع الاقتصادي والاجتماعي اختلف جذرياً بعد ١٧ تشرين الأول ٢٠١٩، وما تلاه من أحداث، ولا سيّما الإنهيار الكبير في سعر صرف الليرة مقابل الدولار، وانفجار المرفأ؛ ناهيك عن أزمة وباء كورونا، فضلاً عن تلاشي احتياط مصرف لبنان، وما يترتب عليه من رفع الدعم عن السلع الأساسية، الأمر الذي سيؤدي الى ارتفاع في التضخم وتراجع القدرة الشرائية.

ومن هنا، يؤكد ناصر الدين على أهمية وضع موازنة ترسم خريطة طريق تصحيحية للوضع الاقتصادي، ورؤية اقتصادية تتضمن الإصلاحات المطلوبة، التي على أساسها سيحصل لبنان على المساعدات والتدفقات المالية المطلوبة، من مانحين عدة ومن ضمنها صندوق النقد الدولي رغم التحفظ الذي يبديه اتجاه هذه المنظمة.

ويؤكد ناصر الدين على ضرورة الإسراع بتشكيل حكومة تضع خطة اقتصادية، تكون الموازنة العامة هي أساسها.

ما هو المطلوب من الموازنة الجديدة؟

في موازنة 2020، رحلت الإصلاحات المطلوبة إلى موازنة 2021 التي لم تُنجز بعد، وعليه يشدد ناصر الدين على أنّ المطلوب من الموازنة الجديدة العمل على تحديات عدة أبرزها:

1-  وضع خطة لاسترجاع أموال المودعين.

2-  كيفية تحديد المصاريف وإعادة الثقة للمجتمع من خلال ضبط الهدر والمحاصصة.

3-  الأخد بعين الاعتبار كيفية ضبط سعر الصرف، ووضع خطة للاستفادة من احتياط مصرف لبنان الموجود لمنع الانهيار الأكبر.

4-  وضع تحفيزات للمؤسسات عن طريق تخفيض الضرائب على القطاع الخاص.

5-  تحديد الإيرادات لتغطية رواتب الموظفين في القطاع العام، والتي فقدت قيمتها مع انهيار سعر الصرف.

6-  إقرار قطع الحساب “وهو واحد من الاساسيات والتحديات في الموازنة”.

7- إصلاح أنظمة التقاعد والضمان وجدولة الدين العام لخفض العجز.

 

في المحصلة، الأكيد أنّ إعداد موازنة ليس بالأمر الصعب، إذا ما وُجدت النية والإرادة بالإنقاذ لدى الحكومة الجديدة. ولكن كيف لبلد يرى “مسؤولوه” كرة الانهيار تكبر وتأكل في طريقها ما تبقى من سبل للعيش، وهم يلتهون بلعبة التصارع على منصب من هنا وحصة من هناك؟

منال ابراهيم

اظهر المزيد

منال ابراهيم

صحافية لبنانية. تحمل الإجازة في الإعلام من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: