ملفات ساخنة

بين الحرب الإقليمية ومخاطر الفتنة: لماذا يشكل أي تدخل سوري في لبنان وصفة لانفجار داخلي؟

بقلم: د. هشام الأعور

تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ عقود، في ظل تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، ومحور المقاومة الذي تقوده إيران من جهة أخرى. فالحرب التي تتوسع ساحاتها تدريجياً لم تعد مجرد صراع عسكري محدود، بل تحولت إلى معركة مفتوحة لإعادة رسم توازنات القوة في الشرق الأوسط.
وفي قلب هذه المواجهة يقف لبنان بوصفه إحدى الساحات الأكثر حساسية، نظراً للدور الذي يلعبه حزب الله في معادلة الردع الإقليمية المرتبطة بإيران. ولهذا تسعى إسرائيل، بدعم أميركي واضح، إلى تفكيك هذه المعادلة أو إضعافها عبر مسارات متعددة، تشمل الحرب العسكرية المباشرة، والضغوط السياسية، ومحاولات تفجير التوازنات الداخلية اللبنانية.
في هذا السياق جاءت تصريحات رئيس حكومة اسرائیل بنيامين نتنياهو التي اعتبر فيها أن “الإسلام المتطرف بنوعيه السني والشيعي يشكل تهديداً للعالم”، وهي مقاربة تسعى إلى إعادة تعريف الصراع في المنطقة بوصفه مواجهة عالمية مع “التطرف”، بما يسمح لإسرائيل بتبرير حروبها وسياساتها الأمنية في الشرق الأوسط.
ذاكرة الإرهاب في المنطقة
غير أن هذه المقاربة تتجاهل حقيقة أن المنطقة دفعت ثمناً باهظاً نتيجة الإرهاب الذي مارسه تنظيم الدولة الاسلامية، الذي عرف باسم “داعش”، والذي ترك آثاراً مدمرة في سوريا والعراق ولبنان، وأعاد إشعال خطوط الانقسام الطائفية والمذهبية في أكثر من ساحة.
كما لعبت تنظيمات متشددة أخرى، مثل جبهة النصرة، دوراً بارزاً في تعميق حالة الفوضى داخل سوريا خلال سنوات الحرب، الأمر الذي أدخل البلاد في مسار من الصراعات الداخلية التي لا تزال تداعياتها حاضرة حتى اليوم.

سوريا بين هشاشة الداخل والتوترات مع المكونات
ضمن هذا المشهد المضطرب، ظهرت في سوريا سلطة جديدة يقودها أحمد الشرع، الذي يحاول تثبيت حكمه في بيئة داخلية شديدة التعقيد. غير أن مسار السلطة الجديدة لم يخلُ من صدامات مع عدد من المكونات الأساسية في المجتمع السوري.
فقد شهدت السنوات الأخيرة مواجهات دامية مع الدروز في محافظة السويداء ، إضافة إلى صدامات مع القوى الكردية في شمال سوريا، فضلاً عن حالة توتر وقلق متزايدة لدى المسيحيين والعلويين الذين يخشون من التحولات السياسية والأيديولوجية التي قد تمس طبيعة الدولة السورية وتوازناتها التاريخية.
هذه التوترات جعلت الداخل السوري أقرب إلى حالة استقرار هش يقوم على توازنات دقيقة، بحيث إن أي مغامرة خارجية غير محسوبة قد تؤدي إلى تفجير الوضع الداخلي وإعادة البلاد إلى دائرة الصراع المفتوح.

تلويح بالدخول إلى البقاع اللبناني
وسط هذه المعادلات المعقدة، ظهرت في الآونة الأخيرة تصريحات وتلميحات صادرة عن أحمد الشرع تحدث فيها عن احتمال دخول القوات السورية إلى منطقة البقاع في لبنان، تحت عنوان “مساعدة اللبنانيين على حصرية السلاح بيد الدولة”، في إشارة مباشرة إلى سلاح حزب الله .
غير أن هذا الطرح يحمل مخاطر كبيرة على الاستقرار اللبناني، لأن قضية سلاح حزب الله تمثل أحد أكثر الملفات حساسية داخل لبنان، وترتبط بتوازنات سياسية وطائفية دقيقة تشكل أساس الاستقرار الهش في البلاد.
وأي تدخل خارجي في هذا الملف قد يدفع لبنان نحو صدامات داخلية خطيرة تعيد فتح جروح الحرب الأهلية، وهو سيناريو طالما سعت إسرائيل إلى دفع الأمور نحوه.
خطر الفتنة وخدمة الأهداف الإسرائيلية
إن نقل المواجهة مع حزب الله إلى الداخل اللبناني يمثل، في جوهره، أحد الأهداف الاستراتيجية لإسرائيل. فبدلاً من مواجهة عسكرية مباشرة مكلفة، تسعى تل أبيب إلى دفع اللبنانيين نحو صراع داخلي يضعف بيئة المقاومة ويستنزفها من الداخل.
ومن هنا، فإن أي محاولة لفرض معادلات جديدة بالقوة داخل لبنان — سواء جاءت من الخارج أو من الداخل — قد تتحول عملياً إلى خدمة غير مباشرة للأهداف الإسرائيلية في المنطقة.

احتمال تدخل الحشد الشعبي
إلى جانب المخاطر اللبنانية، يحمل هذا السيناريو تداعيات إقليمية واسعة. فالمعطيات السياسية والأمنية تشير إلى أن أي دخول عسكري للقوات التابعة لأحمد الشرع إلى منطقة البقاع قد يُفسَّر في محور المقاومة بوصفه استهدافاً مباشراً لحزب الله.
وفي هذه الحالة، قد تتحرك قوى إقليمية أخرى للدفاع عن هذا المحور، وفي مقدمتها فصائل Popular Mobilization Forces في Iraq، المعروفة بالحشد الشعبي، والتي سبق أن أعلنت في أكثر من مناسبة استعدادها للتدخل في أي ساحة ترى فيها تهديداً مباشراً لقوى المقاومة.
مثل هذا التطور قد يحول أي تحرك عسكري في البقاع إلى مواجهة إقليمية مفتوحة تمتد من لبنان إلى سوريا والعراق، وهو سيناريو يحمل مخاطر انفجار واسع يتجاوز حدود الدول المعنية.

لبنان ليس ساحة للمغامرات
في ضوء هذه المعطيات، تبدو فكرة إدخال عامل عسكري خارجي إلى المعادلة اللبنانية مغامرة شديدة الخطورة، لأنها قد تدفع البلاد نحو فتنة داخلية في لحظة إقليمية بالغة الحساسية.
فلبنان ليس مجرد ساحة جغرافية، بل هو توازن سياسي واجتماعي شديد التعقيد، وأي محاولة لفرض حلول بالقوة قد تؤدي إلى انهيار هذا التوازن.
ولهذا فإن التحذير من الانزلاق إلى مثل هذا السيناريو ليس مجرد موقف سياسي، بل هو تنبيه إلى خطر حقيقي يتمثل في أن يتحول لبنان إلى ساحة صراع إقليمي جديد، في وقت تقف فيه المنطقة أصلاً على حافة تحولات كبرى.

أحوال

موقع أخباري يصدر عن شركة مدنية غير ربحية في بيروت، يقدم من خلال مساحة رقمية حرة وعصرية أخبارًا سريعة، عظيمة الثقة، لافتةً للنظر، ثريةً، وتفسيرًا للاتجاهات الحالية والمستقبلية، التي تؤثر في أحوال الناس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى