سياسة

فيصل كرامي في تركيا

في السياسة اللبنانية، غالباً ما اعتُبر فيصل كرامي أقرب إلى سوريا منه إلى أي مكان آخر؛ رغم أنّ القيادة السورية اختارت رفيق الحريري حين خُيّرت أكثر من مرة بينه وبين الرئيس عمر كرامي. وقد كان نفوذ آلـ كرامي أكبر بكثير في جميع الحقبات مّما كان عليه في الحقبة السورية. ومع ذلك، فإنّ فيصل كرامي الذي لا يزور دمشق، يزور أنقرة في ظل الحرب والقطيعة والتصادم السياسي الهائل بين دمشق وأنقرة. وقد حرص كرامي دائماً على مدّ أي جسر ممكن مع السفارة السعودية في لبنان، وهو بلغ في تودّده حدّ اقناع السفارة بدعم مؤسساته التربوية والاستشفائية أكثر من مرة، رغم كل التحفظات الحريرية.

يزور فيصل كرامي أنقرة إذن في ظلّ حرب وقطيعة وتصادم سياسي هائل بين الرياض وأنقرة؛ وهو إذ يزورها للمرة الثانية، يكرّس القطيعة بينه وبين القاهرة، التي بقيت حتى آخر عهد حسني مبارك تراعي في دبلوماسيتها الأمنية الرئيس عمر كرامي.

ولا بدّ هنا من إضافة صغيرة: في ظلّ تسريبات – مغلوطة وغير صحيحة – كثيرة عن احتضان تركي لأشرف ريفي في طرابلس، يزور فيصل – لا ريفي – تركيا بكل ما يمثله من نقيض طرابلسيّ لريفي.
في الشكل، يفتح فيصل إذن صفحة جديدة: الدروع التي تسلّمها هنا وهناك من شخصيات تركية، صف ثالث ورابع، بشعة جداً؛ شأنها شأن غالبية الدروع، لكنّه سيستعرضها في مكتبه في طرابلس. فهي بالنسبة لأهل المدينة غير الدروع أو النياشين التي يوزّعها حزب الله والقيادة الإيرانية.

بالنسبة للطرابلسيين، أن تكون جزءاً من المشروع التركي هو غير كونك حليفاً لحزب الله. منذ انتخابات 2018، يبحث فيصل عبثاً عما يخفّف عنه وطأة كونه حليف حزب الله في المدينة؛ وهو إذ سيخرج من المكتب اليوم دون مرافقين وعناصر حماية، سيجد من يهرع ليسأله بحماسة كيف كان أردوغان؟

الناس لا يعلمون أنّ التركي والإيراني أكثر من حلفاء هذه الأيام. الناس لا يعلمون من التقى أو من لم يلتق هناك. بالنسبة لهم، أردوغان يحاول إعادة أمجاد السلطنة العثمانية وهو – فيصل – عاد من عنده لتوّه.

وعليه، لا شك أنّ زيارة فيصل لتركيا تريحه طرابلسياً، و هذا قد يكون الهدف الوحيد للزيارة. فمن يطّلع على جدول لقاءاته المعلنة، يتأكد أنّها جميعها ثانوية جداً، ولا يمكن التعويل عليها من جهة فيصل، لما هو أكثر من إراحة نفسه في الشارع الطرابلسي. مع العلم أنّ لقب الأفندي الذي ورثه فيصل مع ما تبقى من زعامتهم السياسية إنّما هو صناعة تركية.

سيتذكر الناس الآن أنّ العثمانيين كانوا يمنحونه لأبناء السلطان العثماني وأصحاب بعض المناصب الدينية الرفيعة، وسيعودون لمناداة فيصل من جديد بهذا اللقب تماماً؛ كما سيروي الكبار للصغار كيف جعل العثمانيون من جد عبد الحميد كرامي (جد فيصل) مفتياً ثم والده عبد الحميد شخصياً.

مع العلم أن آلـ كرامي، وكعادتهم، لم ينقلبوا على صداقتهم مع العثمانيين، حين هُزم هؤلاء في الحرب العالمية الأولى.

فقاد عبد الحميد كرامي لاحقاً معارضة الانتداب الفرنسي، الذي أيدته غالبية العائلات الطرابلسية الأخرى، تتقدمها عائلتا الجسر وميقاتي، فاختار الفرنسيون منهما المفتي ورئيس البلدية والنواب وغيرهم. ومع ذلك، مكّن خيار معارضة الانتداب كرامي من توطيد زعامته؛ أمّا من ساند الانتداب الفرنسي وتعامل معه، فبقي نفوذه متواضعاً جداً وصغيراً رغم كل الفيتامينات الفرنسية.

لكن هل يمكن الانتقال من “الزيارة العراضة” إلى “الزيارة المشروع”؟ ما هو واضح حتى الآن أنّ التركي الذي يبحث عن ثغر هنا وهناك، في غالبية دول المنطقة لزرع حيثية ما أو نفوذ، غير معنيّ بدخول المستنقع اللبناني، إلا من بعيد جداً لبعيد. فهناك عملياً، حشد من المستنفرين لمبايعة أيّ كان يحلمون بالتفات التركي لهم؛ لكن التركي وكما هو واضح لا يعيرهم أي اهتمام. وهو يكتفي بنشاطه الاستخباراتي والسياسي والإنمائي بأدنى من الحد الأدني الذي تقوم به غالبية الدول الأخرى؛ وذلك بالرغم من تمهيد العثمانيين الجدد الطريق لتوسّعهم المحتمل في بلادنا عير السينما والإعلام والأذرع المتعددة للجماعة الإسلامية.

غسان سعود

اظهر المزيد

غسان سعود

كاتب وصحافي لبناني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: