سياسة

العقوبات تعيد باسيل إلى طاولة التأليف وحزب الله يسانده

الانتخابات الأميركية، والعقوبات الأميركية، والحكومة المرتقبة ثلاثي المشهد اللّبناني الذي تتشابك أزماته تشي بأن البلد يقف على أعتاب أيام تَعَطُّل مكابح وقف الانهيار على طريق “جهنّم” الاقتصادي والصحي والسياسي.

وإن كان لبنان غائبًا عن محاور الانتخابات الأميركية التي انتهت بخروج دونالد ترامب من البيت الأبيض ودخول جو بايدن خليفةً له، فإنّ لهيب العقوبات الأميركية التي فرضت على النائب جبران باسيل، أحرقت حصيلة المساعي الجدية والإيجابية التي وصلت إليها مشاورات الرئيس المكلّف سعد الحريري، لكنّها في الوقت نفسه شحذت أسلحة باسيل للدخول بقوة في مساعي التأليف.

رئيس التيار الوطني الحر، الذي تحرر من عبء الابتزاز الأميركي له في فرض الشروط على تحالفه مع حزب الله، بعدما صار رسمياً على لائحة العقوبات الأميركية وفق قانون ماغينتسكي، كسر أيضاً قيد التفاوض على شكل الحكومة الجديدة وتخلّى عن ترك رسم صورة المشاركة المسيحية لرئيس الجمهورية وسيفرض شروط التيار بدءاً من الآن لتحصيل حق المشاركة والتمثيل تماماً كما تفعل القوى السياسية الأخرى.

إذن التفاوض حول تشكيل الحكومة بلغ نقطة عسيرة أعادت الملف برمّته إلى نقطة الصفر، لتكون الاتفاقات السابقة لتشكيل الحكومة على رأس قائمة الخسائر التي سجلتها العقوبات الاميركية. باسيل المكبّل ماليا،ً سيطلق جهوده لتثبيت توازنات الحكومة وتوزيعاتها وسيفرض طريقة تعامل مختلفة ونمط آخر يحكم عملية التأليف. وعليه سينتقل باسيل من الباحة الخلفية لتشكيل الحكومة إلى الغرفة الرئيسية التي تُطبخ فيها وسيشارك في العملية برمّتها كما جميع الأطراف السياسية.

وهو وإن كان شدّد على جعل العقوبات دافعاً لتسريع التأليف وتعطيل يد التخريب الخارجية للعملية السياسية في لبنان فهو بحسب مصادر مطلعة لن يقدّم أي تنازلات تستهدف التقليل من شأن مشاركة التيار الوطني الحر ولا تستهدف إضعاف رئيسه. وهو في هذا الإطار ينتظر من رئيس الحكومة سعد الحريري إعلان موقفه من العقوبات الأميركية، قبل استئناف أي اتصالات بين الطرفين، مع العلم أنّ التواصل مقطوع بين الطرفين منذ بدء الحريري اتصالاته الحكومية.

وتعتبر المصادر أن معالجة تداعيات العقوبات على المسار الحكومي “ممكنة في حال عاد رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري إلى مسار حسن النيات والخيارات التي رافقت المرحلة الأولى من تكليفه”. وبناءً على ذلك فإنّ كرة التشكيل في ملعب الرئيس سعد الحريري.

تحديد صورة شكل الحكومة المقبلة لناحية الصيغة والأحجام حدّدها باسيل صراحةً خلال مؤتمره الصحافي، وهو أوجزها بثلاث معايير: أولّاً عدم الجمع بين حقيبتين الأمر الذي يضرب مبدأ الاختصاص، وثانياً إعادة النظر بتوزيع الحقائب وأعدادها على الطوائف والكتل وثالثاً، إعتماد آلية واضحة وواحدة للتسمية تسري على الجميع.

هذا يعني عملياً أنّ الخلاف حول المداورة في الحقائب وحجم الحكومة سيبقى نقطتي خلاف كبيرين يوحي أن العقد غير سهلة الحل بين بيت الوسط وأماكن سياسية كثيرة. وبناءً عليه ترى مصادر مطّلعة على التأليف أنّ الملف الحكومي عاد إلى المربّع الأوّل واختلطت الأوراق ولم تعد القصّة قصّة أسماء للوزراء فقط.

فيما أصبح موقف رئيس التيّار الوطني على هذا الوضوح من مسألة الحكومة فإنّ الرئيس المكلّف سعد الحريري باقٍ على صمته الكثيف وكذلك محيطه، ورأت مصادر مطّلعة أنّ “الموقف الضبابي لرئيس الحكومة المكلّف لم تتّشح أسبابه الخلفية ولا مبرّراته. وهو

بعد أن كان طرح الحريري منح وزارة الدّاخلية للأرثوذكس ووزارة الخارجية للسنة، جدّد مطالبته بالدّاخلية كواحدة من مكتسبات طائفته بعد أن لامه محيطون به على التخلي عنها. وهذا التراجع وأمور أخرى تمّ التكتم عليها أثارت حفيظة الرئيس ميشال عون.

وكشفت المصادر عن معلومات أن “الحريري​ اقترح في لقائه الأخير مع رئيس الجمهورية تجميد المداورة في الحقائب السيادية الأساسية الأربع الخارجية، الداخلية، ​المال​، الدفاع والإبقاء عليها في بقية الحقائب الخدماتية. فردَّ الرئيس بجعل حجم الحكومة 24 وزيراً. وانتهى النقاش عند هذا الحد، على أن يحمّل الحريري مجدّداً في اليومين المقبلين آخر تصوراته الحكومية.

أمّا حزب الله حليف باسيل القوي، الذي لم يتركه وحيداً خلال مسار التكليف ولم يسمّ الحريري رئيساً للحكومة رغم تسهيله عبوره مجدّداً إلى نادي رؤساء الحكومات، فلن يتخلّى عنه في مواجهة الاستهداف الشرس له داخلياً وخارجياً ولن يسمح لتداعيات العقوبات الأميركية أن تُقوّض حضوره أو الاستفراد به. وعلى هذا الأساس سيكون لكلمة الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله يوم 11 المقبل في ذكرى “عيد الشهيد” مسؤولية ترسيم تفاصيل الاتصالات الحكومية التي لا تسمح بمعادلات “انتقامية” أو إقصائية لرئيس التيار الوطني الحر ولا تكون انكساراً لموقع رئاسة الجمهورية. وتفيد المصادرة المتابعة أنّ الحزب لا يريد أن تُنسف جهود تشكيل الحكومة، لذا سيعمل على خط ترميم الهوّة بين الجميع من خلال توحيد المعايير لتشكيل الحكومة لا يكون فيها طرف مغبون ولا منكسر حتى تتمكن الحكومة من السير بالخطط الإصلاحية وكبح عوامل الانهيار الذي أنهك الشعب اللّبناني.

في الأجواء الحكومية ما بعد العقوبات أيضاً، لوحظ غياب الوسيطين الفرنسيين العاملين على الخط اللّبناني، باتريك دوريل وايمانويل بون عن متابعة أي تفصيل حكومي في الفترة الأخيرة ولم يرشح عن الفرنسيين ما يوحي أنّها مثابرة على تسوية الوضع اللّبناني بنفس الزخم السابق سوى الاتصال الذي جرى بين الرئيسين ميشال عون وإيمانويل ماكرون والذي أكّد فيه الرئيس الفرنسي على إصراره لإنجاح مبادرته رغم فوات آوان المهل التي كان قد أعطاها لتشكيل حكومة تنفذ المشاريع الإصلاحية.

إذاً يخرج باسيل من مواجهة عاصفة العقوبات القوية للتدخل في مسار التأليف بعدما أحجم عنه، والأيام المقبلة ستشهد مزيداً من التشدد في الشروط والشروط المضادة ما يشي بإطالة أمد الفراغ الحكومي مع ما يترتب عليه من زيادة تراكم المشاكل الاقتصادية والمعيشية التي يعاني منها المواطن اللّبناني وتأخير المباشرة بحل الأزمات المتعدّدة.

رانيا برو

اظهر المزيد

رانيا برو

صحافية وكاتبة لبنانية. تحمل الإجازة في الإعلام من الجامعة اللبنانية. عملت في عدة مؤسسات اعلامية لبنانية وعربية مكتوبة ومرئية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
%d مدونون معجبون بهذه: