سياسة

السرية المصرفية تجمّد تنفيذ قرار التدقيق الجنائي

الرهان على تسوية في الحكومة الجديدة يمدد مهلة التسليم

إعلانات

لم يُنفّذ قرار التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان، الذي اتخذه مجلس الوزراء في تموز الماضي؛ بل تحوّل إلى ملفٍ خلافي إضافي بين القوى السياسية، في ظل بروز تعقيدات سياسية ومالية ودستورية_لا سيّما قانون السرية المصرفية، تحول دون كشف “الفضائح” و”الجرائم” المرتكبة على مرّ العقود الماضية.

فماذا تمخّض عن اجتماعي بعبدا والسراي الحكومي؟ وما حقيقة قرار تمديد المهلة لتسليم مصرف لبنان المستندات المطلوبة التي تطلبها شركة التدقيق الجنائي؟

وزني: سنحدد مفهوم السرية المصرفية

وزير المال في حكومة تصريف الأعمال غازي وزني أعلن بعد اجتماع بعبدا الاتفاق على “تمديد المهلة المطلوبة لتسليم جميع المستندات لشركة “الفاريز ومارسال”، بحيث تصبح ثلاثة أشهر بعدما كانت محدّدة في العقد الموقّع مع الشركة كي تنتهي في تاريخ أقصاه 3/11/2020″.

وأشار وزني لـ”أحوال” إلى أنّ “مهلة الثلاثة أشهر التي تم الاتفاق عليها بين وزارة المال وشركة التدقيق الجنائي، هي مهلة الحد الأقصى. وفي حال تمت معالجة بعض العوائق القانونية، فقد يبادر مصرف لبنان إلى تسليم كافة المستندات التي تطلبها الشركة”. وأوضح أنّه سيصار إلى تحديد مفهوم قانون السرية المصرفية، والعمليات المالية التي تنطبق عليه والتي لا تنطبق”، مشيراً إلى أنّ “الكثير من العمليات المالية لا تخضع لهذا القانون، لذلك يجب تحديد هذا الأمر لتسهيل التعاون بين الشركة ومصرف لبنان”.

نجم: متمسكون بقرار مجلس الوزراء

إلا أنّ اتفاق قصر بعبدا لم يلقَ صدىً في القصر الحكومي، الذي شهد اجتماعاً مماثلاً للجنة متابعة الملف، برئاسة الرئيس حسان دياب تبرّأت في نهايته من قرار بعبدا، معلنة التمسك بقرار مجلس الوزراء المتخذ بتكليف الشركة المذكورة أعلاه بإجراء التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان. فيما أعلنت وزيرة العدل ماري كلود نجم بأنّ قرار مجلس الوزراء السابق ملزم لمصرف لبنان الذي يخضع لقوانين الدولة اللبنانية.

اتفاق بعبدا الذي خالف موقف السراي الحكومي، أظهر بأنّ الخلاف على هذا الملف لم يعد يقتصر على الحكومة ومصرف لبنان فحسب، بل توسعت دائرة الخلاف لتطال الحكومة نفسها وتحديداً الرئاستين الأولى والثالثة.

وفي سياق ذلك، لفتت وزيرة العدل لـ”أحوال” إلى حقيقة الاتفاق على تمديد المهلة بالقول: “متمسكون بقرار مجلس الوزراء، ولم يحصل تمديد للعقد، بل هناك أفكار يتم التداول بها. هناك عقد، وقرار مجلس وزراء اتخذ لا يتغير بهذه السهولة”.

لكن السؤال: لماذا وافقت الشركة على تمديد المهلة بالسماح لمصرف لبنان تسليمها المستندات خلال ثلاثة أشهر، بعدما تردّد أمس أنّها بصدد تعليق العمل بالعقد الموقّع مع الدولة اللبنانية؟ فهل حصلت تسوية ما في اجتماع بعبدا؟

أوضحت نجم في هذا الإطار أنّ “الشركة ليست جهة مقررة لكي توافق على مهلة الثلاثة أشهر”. ولفتت إلى أنّ “مجلس الوزراء متمسك بموقفه”. وأضافت: “لم أكن في اجتماع بعبدا لكن لم يتم طرح موضوع المهلة في اجتماع السراي، ولم نوافق على شيء يخالف قرار الحكومة”.

أسباب تمديد المهلة

مصادر وزارية مطلعة على الملف أشارت لـ “أحوال” إلى أنّ لتمديد المهلة ثلاثة أشهر سببين:

الأول سياسي؛ فهناك جهات سياسية ومصرفية ومالية نافذة تسعى لتمرير الوقت، وترحيل الملف إلى الحكومة الجديدة التي سيترأسها سعد الحريري، وبالتالي الرهان على تسوية سياسية لتجميد الملف، تجنباً لكشف حقيقة الجرائم المالية التي ارتكبت بالمال العام.

الثاني قانوني؛ يتعلّق باتخاذ بعض الإجراءات القانونية، ليتمكّن مصرف لبنان من القيام بالمطلوب منه، وهذا يتعلق بتعديل قانون السرية المصرفية أو تحديد مفهومه وحدوده.

وفيما أوضح خبراء ماليون وجود تعقيدات مالية أمام كشف المخالفات الحسابية في مصرف لبنان، في ظل العلاقة الغامضة بين المصرف وقطاع المصارف ووزارة المال، وتحميل كل منهم مسؤولية اختفاء الودائع للآخر، برز دخول المجلس النيابي على خط رفض تعديل قانون السرية المصرفية. علماً أنّ تعديل القانون يتطلّب آلية دستورية معينة، ويحتاج إلى أغلبية نيابية قد لا تتوفر في ظل خريطة التموضع النيابي والسياسي في هذا الملف، خصوصاً إذا انتقل إلى الحكومة الجديدة؛ حيث سيتحوّل إلى “قنبلة متفجرة” بين الرئيس ميشال عون الذي يتمسك به كجزءٍ أساسي في برنامج الإصلاح، ونصت عليه المبادرة الفرنسية، وبين الحريري الذي يمثل الطبقة المالية المصرفية والسياسية الرافضة له.

هل يتم تعديل القانون؟

فهل يتم تجميد التدقيق بسب قانون السرية المصرفية أم يتم تعديل القانون؟

برز في هذا السياق موقف استباقي لنائب رئيس المجلس النيابي إيلي الفرزلي، الذي يعكس موقف رئيس المجلس النيابي ورأي نيابي وازن، تجلّى برفض تعديل قانون السرية المصرفية الذي اعتبرها الفرزلي ركيزة الاقتصاد اللبناني، وعنصراً جاذباً لرأس المال الخارجي وللاستثمار في لبنان.

وخالفت وزيرة العدل رأي الفرزلي، وأوضحت لـ”أحوال” أنّها مع تعديل القانون لأسباب أخرى؛ لكن قانون السرية المصرفية ليس عائقاً حالياً أمام تنفيذ العقد الذي وقعته الحكومة مع شركة التدقيق الجنائي، وإلا فإنّ الدولة اللبنانية تصبح عاجزة بسبب السرية المصرفية عن كشف مصير أموالها وأموال اللبنانيين في مصرف لبنان الذي هو مصرف القطاع العام وهذا غير مقبول”.

محمد حمية

 

اظهر المزيد

محمد حمية

صحافي وكاتب سياسي لبناني. يحمل شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية من الجامعة اللبنانية.

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى