“استدعاءات الواتساب”.. حين تتحول الأجهزة الأمنية في سوريا إلى “خلايا رقمية”
رصد أحوال ميديا

ضجت منصات التواصل الاجتماعي مؤخراً بتسريبات لمحادثات عبر تطبيق “واتساب”، تُظهر قيام ما يسمى “فرع المباحث الجنائية” بدمشق بإرسال استدعاءات لمواطنين تطالبهم بمراجعة المقر الأمني (فرع الفيحاء) في مواعيد محددة. هذه الظاهرة، التي قد تبدو للوهلة الأولى مجرد “تحديث إداري”، تحمل في طياتها مؤشرات خطيرة على انهيار المنظومة القانونية والتحول نحو “خصخصة” القمع الأمني.ل
تبليغ رسمي أم “دردشة” أمنية؟
وفقاً للأصول القانونية المتبعة في دول المؤسسات، يتم استدعاء المواطن عبر مذكرة تبليغ رسمية واضحة المعالم، تتضمن اسم الجهة، والصفة القانونية للمستدعى (شاهد، مدعى عليه، أو مطلوب للاستجواب)، وتُسلم عبر محضر رسمي يضمن حقوق الطرفين. أما اللجوء إلى “واتساب” لإبلاغ مواطنة مثل “شفاء صوان” بمراجعة الفرع دون ذكر الأسباب، فهو نسف كامل لمفهوم “دولة القانون” واستبداله بعقلية “الميليشيا الرقمية” التي تدار بالرسائل الفورية.
سياسة الغموض والترهيب النفسي
تكتسي الردود الواردة في الصور الملحقة بصبغة من “الاستعلاء الأمني” المعهود؛ فعبارة “بتراجعي الفرع بتشوفي الموضوع” ليست مجرد إجابة مقتضبة، بل هي أداة لزرع الرعب النفسي وتجريد المواطن من حقه في الدفاع عن نفسه أو استشارة محامٍ قبل التوجه لجهة لا يعلم سبب طلبه فيها. هذا الغموض الممنهج هو “تكتيك” أمني قديم يتم إسقاطه اليوم على منصات التكنولوجيا الحديثة.
مخاطر الانتحال والفوضى الإجرامية
إن شرعنة الاستدعاء عبر تطبيقات التواصل تفتح باباً واسعاً للجريمة المنظمة وانتحال الصفة. في بلد يعاني من هشاشة أمنية، كيف يمكن للمواطن التأكد من أن صاحب الرقم هو ضابط في “المباحث الجنائية” وليس عصابة خطف أو ابتزاز؟ إن غياب “الختم الرسمي” والوثيقة الورقية الموثقة يجعل من كل مواطن صيداً سهلاً لأي شخص يملك “رقم هاتف” وصورة بروفايل رسمية.
المواطن في مواجهة “التغول”
الملفت في هذه الحادثة ليس فقط أسلوب الاستدعاء، بل رد الفعل الشعبي الذي عكسته الردود الغاضبة. فقد أظهرت المحادثات المسربة حالة من الاحتقان الشديد والرفض القاطع لهذا النوع من “البلطجة الرقمية”. التعبيرات التي استخدمها المواطنون تعكس الاختلاف بين السلطة والشارع، حيث فقد المواطن ثقته في مؤسسات من المفترض أنها تحمي أمنه، ليجدها تمار “الإرهاب الإلكتروني” ضده.
إن “استدعاءات الواتساب” ليست تطوراً تكنولوجياً، بل هي نوع من انحدار مؤسساتي يعلن رسمياً تحول الدولة إلى “غابة رقمية”، حيث يصبح مصير الإنسان معلقاً بـ “رسالة قصيرة” مجهولة الدوافع، تسقط هيبة القضاء وتتحول الأجهزة الأمنية إلى مجرد أدوات للملاحقة العشوائية، مما يضع المجتمع بأسره في حالة “اشتباه دائم” خارج مظلة الحماية القانونية.



